علي بن أحمد المهائمي

265

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

يتميز المقصود عن غيره تميزا تاما ( يعبر ) ، أي : يحتاج فيه إلى التعبير غالبا سواء في المنام أو اليقظة ، ومعناه ما أشار إليه بقوله ، ( أي : الأمر الذي هو في نفسه ) أي : في عالم الحس الظاهر ( على صورة كذا ظهر ) للرائي بحضرة الخيال ( في صورة غيرها ) مما يناسبها مناسبة ما ، فهنا تعبير وتأويل : والأول : هو المرور من الصورة المرئية في المنام إلى الصورة المحسوسة بالحس الظاهر . والثاني : هو الوصول إلى تلك الصورة المحسوسة وإليه الإشارة بقوله : ( فيجوز ) أي : يمر ( العابر ) أي : القاصد للوصول إلى الصورة المحسوسة سواء كان الرائي أو غيره ( من هذه الصورة التي أبصرها النائم ) أو من في معناه ( إلى صورة ما هو الأمر ) أي : أمر المرئي ( عليه ) من الحس الظاهر ( إن أصاب ) في التعبير ، وإلا وصل إلى غيرها . ثم مثّل بالصورة البعيدة المناسبة بحسب إدراك العامة ، فقال : ( كظهور العلم في صورة اللبن ) في رؤيا النبي عليه السّلام ( فعبر في ) فضل الوصول إلى ( التأويل من صورة اللبن ) الذي هو غذاء الجسم ( إلى صورة العلم ) الذي هو غذاء الروح ، ( فتأول ) أي : وصل إلى التأويل ( أي قال : مآل هذه الصورة اللبنية إلى صورة العلم ) ، فهذا صحيح كما ورد عنه عليه السّلام ، وإن كان بصورة العلم تأويل آخر بالنسبة إلى الآخرة ، ولهذا لم يعترض على يوسف عليه السّلام بقوله : هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ [ يوسف : 100 ] كما يأتي إن شاء اللّه تعالى ، وإنما اعترض عليه بقوله : قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا . ثم أشار إلى رؤية الملك في اليقظة سواء في صورة لا توجد في الحيوانات أو في صورة توجد فيها من هذا القبيل ردّا على ما يفهم من ظاهر قول عائشة - رضي اللّه عنها - ثم جاءه الملك » ؛ فقال : ( ثم إنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أوحي إليه أخذ عن المحسوسات المعتادة ) قيد بذلك ؛ لأنه قد يفتح له عن المحسوسات الباطنية ليدرك بالقوة الخيالية أو الوهمية أو المفكرة ، واستدل عليه بأنه ( غاب عن الحاضرين عنده ) ، وذلك لئلا يشغله عن عالم الغيب ، ( فإذا سرى ) أي : ذهب الوحي عنه ( ردّ ) إلى عالم المحسوسات ، وإذا كان كذلك ( فما أدركه ) أي : الملك الذي جاء بالوحي ( إلا في حضرة الخيال ) لامتناع إدراكه في عالم الحس بعد أن يؤخذ عن المحسوسات ، وعدم الاحتياج إلى هذا الأخذ عند كشف المعاني المجردة عند تنور النفس غاية التنور ، هذا رؤية الملك في غير صور الحيوانات . [ وكذلك إذا تمثّل له الملك رجلا ؛ فذلك من حضرة الخيال ، فإنّه ليس برجل ، وإنّما هو ملك فدخل في صورة إنسان فعبّره العارف حتّى وصل إلى صورته الحقيقيّة ، فقال هذا جبرئيل أتاكم يعلّمكم أمر دينكم ، وقد قال لهم ردّوا عليّ الرّجل فسمّاه بالرّجل من أجل الصّورة الّتي ظهر لهم فيها ، ثمّ قال : هذا جبرئيل فاعتبر الصّورة الّتي