علي بن أحمد المهائمي

266

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

مآل هذا الرّجل المتخيل إليها ؛ فهو صادق في المقالتين : صدق العين في العين الحسيّة ، وصدق في أنّ هذا جبرئيل ؛ فإنّه جبريل بلا شكّ ] . ثم أشار إلى رؤيته في صور الحيوانات ، فقال : ( وكذلك ) أي : يرى الملك في حضرة الخيال ( إذا تمثل له الملك رجلا فذلك ) المتمثل ( من حضرة الخيال ) إذ لو كان من عالم الحس لكان رجلا بالحقيقة ، ولكنه ليس كذلك ، ( فإنه ليس برجل ) ذكر من بني آدم ، و ( إنما هو ملك ) كان مجردا ( فدخل في صورة إنسان ) أخذها من عالم المثال لنفسه ، ليألف المخاطب ، ( فعبره ) الناظر ( العارف ) لقوة معرفته بالفرق بين الصور الحسية والخيالية بحيث يميز بينهما بالبداهة ( حتى وصل إلى صورته الحقيقية ) التي ليس شأن كل واحد الوصول إليها ، ( فقال : « هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم » « 1 » ) أي : في صورة مألوفة لكم فلا تدهش عقولكم لرؤيته فلا تفهموا منه أمر دينكم الذي هو أهم الأمور كلها . ( وقد قال لهم ) أولا ( ردّوا عليّ الرجل ) ليعلموا عند تعذر ردّه بعدم رؤيته بعد غيبة قليلة أنه ليس من جنس البشر فيصدقونه عليه السّلام في أنه جبريل بلا وقفة ( فسماه ) أولا مجازا ( بالرجل من أجل الصورة التي ظهر جبريل ) عليه السّلام ( لهم فيها ) جريا على اعتقاد الحاضرين حتى إذا أزال اعتقادهم ذلك ، ( فاعتبر ) ثانيا ( الصورة ) الملكية ( التي مآل هذا الرجل المتخيل إليها ) أي : إلى تلك الصورة الملكية ، ( فهو ) أي : النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( صادق في المقالتين ) لكن قوله : ردوا علي الرجل ( صدق العين ) أي : الصورة المحسوسة الظاهرة ( في العين الحسية ) الباطنة ، كأنها عين ظاهرة ( وصدق في أن هذا جبريل عليه السّلام ) باعتبار مآلها ، ( فإنه جبريل عليه السّلام بلا شكّ ) ، وإن ظهر في صورة خيالية من شأنها كثرة الغلط فيها لكن لا غلط فيها بعد تنورها ، ولذلك يقع الجزم بما يرى فيها حينئذ الكامل الحال تام الاعتدال كالمقامات الصادقة ، كما يحصل الجزم بالمرئيات الظاهرة ، وإن وقع في بعضها الغلط . [ وقال يوسف عليه السّلام : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [ يوسف : 4 ] ، فرأى إخوته في صورة الكواكب ، ورأى أباه وخالته في صورة الشّمس والقمر ، هذا من جهة يوسف ولو كان من جهة المرئي لكان ظهور إخوته في صورة الكواكب وظهور أبيه وخالته في صورة الشّمس والقمر مرادا لهم ؛ فلمّا لم يكن لهم علم بما رآه يوسف كان الإدراك من يوسف في خزانة خياله وعلم ذلك يعقوب حين قصّها عليه ؛ فقال : يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 37 ) ، وابن أبي عاصم في « السنة » ( 1 / 55 ) .