علي بن أحمد المهائمي
256
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
فصارت جزاء . ( وما ثم جزاء بوجه فإن الجزاء أيضا حال في الممكن ) مغايرة للأولى ، فليست الأولى عائدة حتى يقال : إن الثانية جزاء ، فهو من جملة أحوال الممكن ، فكما لا تسمى الأولى لعدم عودها جزاء ، فكذا الثانية ، ( وهذه ) أي : ( مسألة ) تحقق الجزاء مسألة ( أغفلها علماء هذا الشأن ) ، ولما أوهم أنه تجهيل لهم قال ( أي : أغفلوا إيضاحها على ما ينبغي لا أنهم جهلوها ) وكيف يجهلونها ، ( فإنها من سر القدر المتحكم على الخلائق ) ، لا تتقدر ماهية بمقدار خاص من تجلي الوجود وصفاته إلا بحسب هذا السر ، فلا يتحقق علم حقيقة بدون معرفتها ، فكيف تجهلهما علماء الحقائق ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . [ واعلم أنّه كما يقال في الطّبيب : إنّه خادم الطّبيعة كذلك يقال في الرّسل والورثة : إنّهم خادمو الأمر الإلهي في العموم ، وهم في نفس الأمر خادمو أحوال الممكنات ، وخدمتهم من جملة أحوالهم الّتي هم عليها في حال ثبوت أعيانهم ، فانظر ما أعجب هذا ] . ثم أشار إلى أن سرّ المقدر هو الذي يقتضي التشريع والجزاء بواسطة خدمة الرسل والورثة للأمر الإلهي ، فقال : ( واعلم أنه كما يقال في الطبيب إنه خادم الطبيعة ، كذلك يقال في الرسل والورثة ) أي العلماء والأولياء ، الذين هم أطباء النفوس في حفظ صحتها إن كانت وردها إن زالت ، ( أنهم خادموا الأمر الإلهي ) الذي هو بمنزلة دواء حفظ الصحة ، وتحصيلها باستعماله في ذلك ( في العموم ) أي : حق الكل لكن ذلك بالنظر إلى التبليغ واستعمال الأدوية ، وليس بالنظر إلى تحصيل الصحة وحفظها في العموم ، وإلا كانوا هادين للكل شافّين لهم ، ( بل هم في نفس الأمر خادمو أحوال الممكنات ) ، فإن الأنبياء يوصلون المكلفين إلى ما يقتضي أعيانهم في جزاء الخير والشر المرتب على دعوتهم ، والأطباء يحفظون الصحة ويحصلونها للقابلين ، وتكون معالجتهم سبب لزيادة المرض ووقوفه في عين القابلين . ثم أشار إلى أن هذه الخدمة أيضا داخلة في سرّ القدر ، فقال : ( وخدمتهم من جملة أحوالهم التي هم عليها في حال ثبوت أعيانهم ، فانظر ما أعجب هذا ) حيث صارت الخدمة عين المخدوم . [ إلّا أنّ الخادم المطلوب هنا ، إنّما هو واقف عند مرسوم مخدومه ، إمّا بالحال أو بالقول ، فإنّ الطّبيب إنّما يصحّ أن يقال فيه خادم الطّبيعة : لو مشى بحكم المساعدة لها ، فإنّ الطّبيعة قد أعطت في جسم المريض مزاجا خاصا به سمّي مريضا ، فلو ساعدها الطّبيب خدمة لزاد في كمّية المرض بها أيضا ، وإنّما يردعها طلبا للصّحّة ، والصّحّة من الطّبيعة أيضا ، بإنشاء مزاج آخر يخالف هذا المزاج ؛ فإذن ليس الطّبيب