علي بن أحمد المهائمي
226
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
فمن كونه عبدا يرى عين نفسه * وتتّسع الآمال منه بلا شكّ ويعجز عمّا طالبوه بذاته * لذا تر بعض العارفين به تبكي فكن عبد ربّ لا تكن ربّ عبده * فتذهب بالتّعليق في النّار والسّبك ( فإن تلك الحضرة التي يبقى لك الحضور فيها مع الصورة ) الحافظة لصور سائر الحضرات ( مثلها مثل الكتاب ) أي : القرآن ( الذي قال اللّه فيه : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [ الأنعام : 38 ] ) مع أن بعض العلوم وجزئيتها ليس فيه بالتصريح ، ( فهو ) أي : الكتاب هو ( الجامع للواقع ) أي : المصرح به صريحا ( وغير الواقع ) أي : غير المصرح به ضمنا ، فكذا هذه الحضرة جامعة لما وقع فيها من الصورة بالتعيين ، ولما لم يقع فيها بالتضمن ، ( ولا يعرف ) بالذوق والمشاهدة ؛ بل بالعلم في بعض الأحوال ( ما قلناه ) من الفرق بين الحق والعبد من حيث حفظه للصور كلها بحفظه صورة واحدة منها في حضرة ما غفل عنها ( إلا من كان قرآنا ) أي : مظهرا جامعا يرى كلّا من الحق والخلق في الأخر مع أنه يتقي من رؤية حلول أحدهما في الآخر واتحاده به ، ( فإن المتقي للّه ) من رؤية الحلول والاتحاد عند اجتماعهما ( يجعل له فرقانا ) أي : يعطيه التفرقة بين الحق والخلق عند اجتماعهما ، فيحصل في الفرق مع الجمع ، ( وهو ) أي : فرقان المتقي الذي كان قرآنا جامعا ، يرى كلا منهما في الآخر ( مثل ما ذكرنا في هذه المسألة ) أي : مسألة حفظ العبد صور ما خلق بحفظه صورة واحدة منها من الفروق بين العبد والرب ، سيما باعتبار الحضرة التي ما غفل عنها ( فيما يتميز به العبد من الرب وهذا الفرقان ) الواقع بين العبد والرب باعتبار الحضرة التي ما غفل عنها ( أرفع فرقان ) بينهما من جملة ما ذكرنا من الفروق ، إذ باعتبار هذه الحضرة التي ما غفل عنها له أن يقول : « أنا الحق » مع أن حفظه للصور باعتبار ما ليس كحفظ الحق لها « 1 » ، ( فوقتا يكون العبد ) باعتبار هذه الحضرة التي ما غفل عنها ، سيما إذا لم يغفل عن حضرة أصلا ( ربّا ) أي : صورة حق على الكمال ( بلا
--> ( 1 ) نقل المصنف توجيهه لهذا نقلا عن الشيخ بقوله : ثم قال في تفسير الحق ، في تأويل قول الحلاج : « أنا الحق » : إنّا بينا بالبرهان النيّر ، أن الموجود هو الحق سبحانه ، وأن كل ما سواه فهو باطل ، فهذا رجل فني ما سوى الحق في نظره ، وفنيت أيضا نفسه عن نظره ، ولم يبق في نظره وجود غير اللّه ، فقال في ذلك الوقت أنا الحق ، كأن الحق سبحانه أجرى هذه الكلمة على لسانه حال فنائه بالكلية من نفسه ، واستغراقه في نور جلال اللّه تعالى ، ثم نقل عن الغزالي في سبب غلبة جريان اسم الحق على لسان الصوفية : إنهم في مقام المكاشفة ، ومن كان في مقام المكاشفة رأى اللّه حقّا وغيره باطلا ، وأما المتكلمون فهم من مقام الاستدلال بغير اللّه على وجود اللّه ، فلا جرم كان الغالب على ألسنتهم اسم الباري تعالى . [ مشرع الخصوص 18 ] بتحقيقنا .