علي بن أحمد المهائمي
224
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الحضرة غير كافية في حفظ الصورة ، كما يتوهم من كلامه السابق ( انحفظت جميع الصور بحفظه ) أي : العارف ( تلك الصورة الواحدة ) التي يحفظها ( في الحضرة التي ما غفل عنها ) ؛ لأن الأثر النورانية التي بها شهود الحضرة لا الظلمة التي بها الغفلة ؛ فلا يئوده حفظها في جميع الحضرات باعتبار تلك الحضرة ، وإنما يئوده حفظها لو غفل عن الكل ؛ لكنه غير واقع ؛ ( لأن الغفلة لا تعمّ ) جميع الحضرات ( لا في العموم ولا في الخصوص ) « 1 » أي : عموم الناس وخصوصهم ، وأما أرباب الفناء ؛ فإنهم وإن عمت الغفلة في شأنهم ، فليسوا من أهل الهمة الذين لهم الخلق . [ وقد أوضحت هنا سرّا لم يزل أهل اللّه يغارون على مثل هذا أن يظهر ، لما فيه من ردّ دعواهم أنّهم الحقّ ، فإنّ الحقّ لا يغفل والعبد لا بدّ له أن يغفل عن شيء دون شيء فمن حيث الحفظ لما خلق له أن يقول : « أنا الحقّ » ولكن ما حفظه لها حفظ الحقّ ، وقد بيّنا الفرق ] . ( وقد أوضحت هنا ) أي في مسألة حفظ العارف صورة ما خلقه عند غفلته عن بعض الحضرات ( سرّا ) وهو أن العارف وإن بلغ ما بلغ في ضبط الحضرات ، واتساع القلب لأنواع التجليات المؤثرة فيما سواه ، يجوز أن يغفل عن بعضها ابتداء ، أو دواما مع ما له من الفعل بالهمة في الحفظ ( لم يزل أهل اللّه يغارون على مثل هذا أن يظهر لما فيه ) أي : في إظهاره ( لما فيه من رد دعواهم أنهم الحق ) أي : صور كاملة للحق عند خلقهم بالهمة لا يتميزون عنه إلا بالوجوب الذاتي الذي له ، والافتقار إليه الذي لهم ؛ ( فإن الحق لم يغفل ) أي : لا تجوز له الغفلة أصلا عن حضرة ما ، ( والعبد ) وإن بلغ ما بلغ ( لا بد له ) من جواز ( أن يغفل عن شيء دون شيء ) ؛ فلا يكون صورة للحق تامة المطابقة معه . وإن كان أكمل ما يمكن في حق البشر فهو ذو جهتين ( فمن حيث الحفظ لما خلق ) ولو باعتبار حفظه في بعض الحضرات ( له أن يقول : أنا الحق ) أي : صورة الحق والمظهر الكامل له ، ( ولكن ) مع كمال مظهريته ( ما حفظه ) أي : حفظ ذلك العارف ( لها ) أي : لتلك الصورة مثل ( حفظ الحق ) لما خلقه بل بينهما فرق ، ( وقد بينا الفرق ) فيما تقدم بأن حفظ الحق بذاته ، وحفظ العبد بالهمة وأيضا بينهما فرق آخر . [ ومن حيث ما غفل عن صورة ما وحضرتها ؛ فقد تميّز العبد من الحقّ ولا بدّ أن يتميّز مع بقاء الحفظ لجميع الصّور بحفظه صورة واحدة منها في الحضرة الّتي ما غفل عنها فهذا حفظ بالتّضمّن ، وحفظ الحقّ ما خلق ليس كذلك بل حفظه لكلّ صورة على
--> ( 1 ) أي : خصوصهم فإن غاب العارف من حضرة فلابد أن يحضر مع حضرة أخرى ، فلا يغفل عن جميع الحضرات . . [ الجامي ص 191 ] .