علي بن أحمد المهائمي

223

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

في القوة الخيالية ( هو الأمر العام ) لا يختص بالعارف . ( والعارف ) المتسع قلبه لتجليات الحق ( يخلق بالهمة ) أي : توجيه القصد عن نورانية ما تجلى فيه ( ما يكون له وجود من خارج محل الهمة ) أي : وراء الوجود الذهني في حضرة خاصة أو حضرات ، وهو وإن كان خارجا من محل الهمة ، فإمكانه محوج إلى العلة في البقاء ، ولا علة له سوى الهمة ؛ فينبغي ألا يكون له بقاء لعدم من يحفظه . ( ولكن لا تزال الهمة تحفظه ) ، فإنها لما صلحت للإيجاد خارج محلها ؛ صلحت للحفظ فيه ، ( ولا يئودها حفظه ) وإن كان في مكان بعيد من صاحب الهمة ، وتفرقت صوره في حضرات شتى ، ورفع ذلك لما يوهم من هذا الكلام أن الهمة يمكنها حفظ أي شيء ، أراد صاحبها من غير مشقة دفع ذلك بقوله : ( أي حفظ ما خلقته ) ؛ لأنها علته وليست علة لإيجاد غيره ، فالظاهر أنها لا تكون علة لحفظه أيضا ، فإن حفظته فعن مشقة عظيمة ، وإذا كانت همته علة الحفظ ولا علة سواها في الظاهر ، ( فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق عدم ذلك المخلوق ) لعدم علة بقائه ، ( إلا أن يكون العارف ) الذي خلقه بهمته ( قد ضبط ) عند خلقه ( جميع الحضرات ) من عالم المعاني والأرواح ، والمثال ، والأجسام بالتصرف فيها ، ( وهو ) أي : وذلك العارف لكونه في مقام البقاء ( لا يغفل ) عن جميع تلك الحضرات ( مطلقا ) بحيث لا تبقى له همة حافظة لصورة ما خلقه في حضرة أو حضرات ؛ ( بل لا بدّ له من حضرة يشهدها ) ضرورة أنه لا يغفل عن المحسوسات والمعقولات جميعا ؛ لأن ما يحجبه الحق عن الخلق ولا الخلق عن الحق ، وشهود تلك الحضرة منه مستلزم لشهود ما فيها من صورة خلقه ، فلا يئوده حفظ تلك الصورة في تلك الحضرة وبواسطتها في سائر الحضرات . وإليه الإشارة بقوله : ( فإذا خلق العارف بهمته ما خلق ) سواء كان مما يتعارف له تأثير في الغير أم لا ( وله هذه الإحاطة ) بالحضرات حال خلقه ، ( ظهر ذلك الخلق بصورته ) أي : صورة ذلك العارف في الإحاطة بالحضرات ، والتأثير في الغير ( في كل حضرة ) ، إذ لا معنى لكونه على صورة ذلك العارف بالإحاطة بالحضرات إلا ظهوره فيها ، ( وصارت الصور تحفظ بعضها بعضا ) لما فيها من أثر جمعية ذلك العارف عند جمعه الهمة بالتأثير ، فكانت هذه الصورة استنارت بنور فاعلها ، فتفعل فعله كما تفعل صورة الشمس الظاهرة في المرآة من التأثير في الماء ، وصورة الماء في الجدار ، وصورة الجدار فيما يحاذيها من مرآة أخرى ، وهلم جرا . فلا تعارض تلك النورانية ظلمة الغفلة عن بعض الحضرات ، ( فإذا غفل العارف عن حضرة ما ) أعلى أو أدنى مما لم يغفل عنها ( أو حضرات ، وهو شاهد حضرة من تلك الحضرات حافظ ) بهمته ( لما فيها من صورة خلقه ) ، قيد بذلك ليشير إلى أن مشاهدة