علي بن أحمد المهائمي
213
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وألا ترى كيف ( قال اللّه تعالى لإبراهيم ) مع رسوخه في معرفة الحقائق أكبر من معرفة رسوخ أبى بكر وغيره ( حين ناداه : أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [ الصافات : 105 ] ) أي : جعلتها صادقة على الإطلاق مع أن ظاهرها ليس كذلك ، وإن كانت رؤيا الأنبياء صادقة ، إما في الظاهر أو في التأويل ، ( وما قال له ) : صدقت في الرؤيا بحيث تطابق رؤياك الواقع من كل وجه ، فلم يساعده في هذا الموضع ، وإن ساعده في جعل الكبش فداء لابنه ؛ لأن المساعدة فيما هو جهل محض تجهيل لا يليق بالحق تعالى ، إذ لو كان وهم إبراهيم علما لقال له : ( صدقت في الرؤيا إنه ابنك ) ، وإنما قال له : قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا « 1 » مع أنها ما صدقت بحسب الظاهر ( لأنه ما عبرها ) ؛ لأن التعبير تكذيب للظاهر ، وإن كان صادقا في التأويل ، وهو ما عبرها ( بل أخذ بظاهر ما رأى والرؤيا ) أي : ورؤياه ( تطلب التعبير ) أي : ولطلب الرؤيا التعبير بحيث يعرفه أكثر العقلاء ، وإن التبس على إبراهيم عليه السّلام في رؤياه هذه لبعد المناسبة . [ ولذلك قال العزيز : إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [ يوسف : 43 ] ، ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر ، وكانت البقر سنين في المحل والخصب ، فلو صدق في الرّؤيا لذبح ابنه ، وإنّما صدّق الرّؤيا في أنّ ذلك عين ولده ، وما كان عند اللّه إلّا الذّبح العظيم في صورة ولده ، ففداه لما وقع في ذهن إبراهيم عليه السّلام ما هو فداء في نفس الأمر عند اللّه ، فصوّر الحسّ الذّبح وصوّر الخيال ابن إبراهيم ، فلو رأى الكبش في الخيال لعبّره بابنه أو بأمر آخر . ثمّ قال : إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [ الصافات : 106 ] « 2 » ، أي الاختبار الظّاهر ، يعني الاختبار في العلم هل يعلم ما يقتضيه موطن الرّؤيا من التّعبير أم لا ؟ لأنّه يعلم أنّ موطن الخيال يطلب التّعبير فغفل فما وفّى الموطن حقّه ، وصدّق الرّؤيا لهذا السّبب ] . ( قال العزيز ) ملك مصر : فإن القائل : إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ
--> ( 1 ) أي : حققت ما أمرناك به في المنام ، من تسليم الولد للذبح ، وبالعزم والإتيان بالمقدمات . ( 2 ) أخبر سبحانه أن هذا بلاء ظاهر أي : هذا بلاء في الظاهر ولكن لا يكون في الباطن بلاء ؛ لأنه في الحقيقة بلوغ منازل المشاهدات ، وشهود لأسرار حقائق المكاشفات ، وهذه من عظائم القربات ، وأصل البلاء ما يحجبك عن مشاهدة الحق لحظة ، ولم يقع هذا البلاء بين اللّه وبين قلوب المصطادين بشبكات محبة القدم قط ؛ فإن قلوبهم تحت غواشي أنوار سبحات وجهه فانية ، وكيف يقع عليها البلاء وهي تفنى في جمال الحق ؟ ! إن كنت تريد بلاءهم فإنه تعالى بلاؤهم ، وذلك البلاء لا ينقطع عنهم أبدا ، ويمنع هذا البلاء جميع البلاء عنهم .