علي بن أحمد المهائمي
214
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [ يوسف : 43 ] . ثم استشعر سؤالا بأنه قال : تعبرون بالتخفيف ، والتعبير الذي تحتاج إليه الرؤيا مصدر المشدد ، فأجاب عنه بقوله : ( ومعنى التعبير : الجواز ) أي : العبور ( من صورة ما رآه إلى أمر آخر ) لعدم انضباط الخيال فيه حتى يأتي في كل مرة بما هو مثال تام للمرئي بل كثيرا ما يأتي بما يناسبه مناسبة بعيدة جدا ، فمعنى التعبير جعل الصورة المرئية عابرة إلى ما يقع في الحس ، وقد حصل هذا العبور في رؤيا الملك ( فكانت البقر ) العجاف ( سنين في المحل ) والبقر السمان في ( الخصب ) كما قال يوسف عليه السّلام مع بعد مناسبة البقر مع السنة ، ولذلك جعل معبرو عصره رؤياه من أضغاث الأحلام ، وقالوا : وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ [ يوسف : 44 ] ، فلم يطلع عليه إلا يوسف بنور النبوة . ثم أشار إلى أن مساعدة الحق إبراهيم عليه السّلام في وهمه يجعل الكبش فداء لا تستلزم مساعدته أباه في جعله صادقا في رؤياه ، بحيث لا يلبس عليه الخيال صورة الحس بصورة بقرة ؛ فقال : ( فلو صدق ) إبراهيم ( في الرؤيا ) أي : في عين ما رأى أنه ابنه ( لذبح ابنه ) أي : لوقع الذبح عليه دون الكبش ؛ ولكنه ( إنما صدق ) إبراهيم ( الرؤيا ) على ظن أن خياله لا يلتبس عليه كما هو حاله في الأكثر يقظة ومناما مع بعد المناسبة جدّا ؛ فصدق رؤياه ( في أن ذلك ) المرئي ( عين ولده ) مع أنها كانت كاذبة في الظاهر غير مساعدة من جانب الحق ؛ وذلك لأنه ( ما كان ) المرئي ( عند اللّه إلا الذبح العظيم ) ظهر في المنام ( في صورة ولده ) ، لأنه الذي وقع عليه الذبح في عالم الحس والواقع في عالم الحس : هو الثابت في العلم الأزلي بالنظر إلى نفس الأمر ، وإن كان غيره أيضا ثابتا فيه بالنظر إلى أمور أخرى ؛ لكنه تعالى اعتبر ذلك أيضا لوقوعه في مظهره الكامل الذي هو إبراهيم عليه السّلام . ( ففداه ) أي : فجعله اللّه فداء ولده ( لما وقع في ذهن إبراهيم عليه السّلام ) فجعل الواقع فيه كالواقع في العلم الأزلي بالنظر إلى نفس الأمر ، ومع ذلك ( ما هو فداء في نفس الأمر عند اللّه ) بالنظر إلى علمه الناظر إلى ما هو نفس الأمر بالحقيقة ؛ لكن العلمان لما صارا معتبرين أظهر لهما صورتين ، ( فصور الحس الذبح ) على وفق العلم الناظر إلى نفس الأمر بالحقيقة ، ( وصور الخيال ابن إبراهيم عليه السّلام ) على وفق العلم الناظر إلى أمور أخرى فوجب التخالف فيما ظهر من صورهما ، ( فلو رأى ) إبراهيم عليه السّلام ( الكبش في الخيال ) نوما أو يقظة ( لعبره ) الحس ( بابنه أو بأمر آخر ) ؛ لأن هذه المخالفة واقعة في العلم الأزلي ، فلابدّ من ظهورها هاهنا ، ثم أي : بعد ما اعتبر الحق وهمه من وجه دون وجه ( قال : إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ