علي بن أحمد المهائمي
209
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الوجوبية أيضا فلم يصلح للفداء ، ( وبعده نبات ) لما زاد فيه من الأمور الإمكانية القوة المغذية والنامية والمولدة ، فلم تظهر فيه زيادة الأمور الوجوبية ، فلم يصلح للفداء على قدر ( يكون وأوزان ) يزداد بعده بقدر زيادة هذه القوى ، وينقص بقدر نقصها ، على أن منها ما يقرب من الحيوان كالنحلة ، فيكون قريبا منه في البعد . ( وذو الحس ) أي : الحيوان صاحب الحواس ، ( بعد النبت ) لما زاد فيه بعد القوى النباتية الحواس العشر أو أقل ، والقوى المحركة وهي وإن كانت من الأمور الممكنة لكنها لما كانت من أسباب العلوم أشبهت الأمور الوجوبية ، فصلح بها الحيوان للفداء ، فما كان منه أكثر مناسبة للإنسان الكامل كالكبش صلح لفدائه ، وذلك من حيث خلوه عن الأخلاق الذميمة بخلاف سائر الحيوانات . ثم استشعر سؤالا بأن العلو إنما يكون للمعرفة التي خلق العالم لأجلها ، وليست في هذه الأشياء ، فأجاب بقوله : ( والكل عارف بخلاقه ) علمنا ذلك منها ( كشفا ) لما يفعل من أفعال ذوى الشعور ، ( وإيضاح برهان ) ، وهو النص الإلهي الدال على أن الكل يسبح بحمد ربه ، ولا يتأتى بدون معرفته . وقد ورد في الحديث : « لا يسمع صوت المؤذن حجر ، ولا شجر ، إلا شهد له يوم القيامة » « 1 » ، وروي : « أنه عليه السّلام لما أخذ بذبح البدن جعلن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ » « 2 » . ثم أشار إلى ما في الإنسان من الأمور الإمكانية بقوله : ( وأما المسمى آدم ) وهو الإنسان الجامع لمراتب كل إنسان ، ( فمقيد ) بقيود زائدة على القوى الجمادية ، والنباتية ، والحيوانية ، إذ هو مقيد ( بعقل ) وهو ما يدرك به الأمور الكلية المعقولة ، ( وفكر ) وهو القوة التي تركب وتحلل بين المعاني الوهمية والصور الخيالية ، ( أو قلادة إيمان ) ، وهي الكشف الذي يدرك الحقائق الإلهية وغيرها ، أو هنا لمنع الخلو إذ مدرك الحقائق منا لا يخلو عن أحد هذين ، فهذه الأمور ، وإن كانت مفيدة للمعلوم ؛ فهي من حيث إمكانها حجب مانعة من الوصول إلى الحق ، وإن كانت من وجه آخر توصله إليه أيضا . ثم استشهد على عرفانها وعلو رتبها بقول من تقدمه ؛ فقال : ( بذا ) أي : بعلو رتبة هذه الأشياء وعرفانها . ( قال سهل ) بن عبد اللّه التستري : ( والمحقق ) أي : وكل محقق ( مثلنا ) ، وإن لم يقل به
--> ( 1 ) رواه ابن حبان ( 7 / 320 ) ، والبيهقي في « الشعب » ( 7 / 66 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 19 / 356 ) . ( 2 ) رواه أحمد في « المسند » ( 4 / 350 ) ، وأبو داود ( 2 / 148 ) ، والبيهقي في « السنن الكبرى » ( 5 / 237 ) .