علي بن أحمد المهائمي
210
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
محقق المتكلمين والفلاسفة ، وقوله : ( لأنّا ) متعلق بقوله : ( مثلنا وإياهم بمنزل إحسان ) وهو مقام قريب من مقام المشاهدة كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » . ( فمن شهد الأمر الذي قد شهدته يقول بقولي ) عليّ ( في خفاء ) أي : يعتقده في نفسه ، ( وإعلان ) أي : يظهره في الناس ، ولا يبالي إلا من غير أهله على ما سيشير إليه ، ( ولا تلتفت قولا يخالف قولنا ) ، وهو قول من حمل التسبيح في الآية على لسان الحال ، مع أنه مناف لمفهوم الحديث المذكور ، بل ما بعده من قوله : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] ، وتسبيح لسان الحال يفقهه جمع غفير من العقلاء ، ( ولا تبذر ) الحنطة ( السمراء في أرض عميان ) ، وهي التي لا ماء فيها وافر ولا مطر ، والسمراء أحوج إلى ذلك ، وهذا مثل يضرب لمن يلقي الحقائق على من لا يتم استعداده لفهمها أو الانتفاع بها . ثم أشار إلى تعليل ذلك بقوله : ( هم ) أي : المخالفون ( الصم ) عن استماع الحقائق ، ( والبكم ) عن النطق بها ، لو سمعوا وفهموا ( الذين أتى بهم ) عن الكذب في كل ما أخبر ، فهؤلاء من جملتهم وإن تأخروا عن عصره ( في نص قرآن ) وهو قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] ، وهي وإن وردت في حق الكفرة ؛ فليس بعجب ، لغشيان ظلمة الكفر عليهم ، وهؤلاء مع تنورهم بنور العلم قد حجبوا عن ذلك ، فهم أعجب حالا منهم ، فكأنها منحصرة في هؤلاء . [ اعلم أيّدنا اللّه وإيّاك أنّ إبراهيم الخليل عليه السّلام قال لابنه : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [ الصافات : 102 ] ، والمنام حضرة الخيال فلم يعبّرها ، وكان كبش ظهر في صورة ابن إبراهيم في المنام فصدّق إبراهيم الرّؤيا ، ففداه ربّه من وهم إبراهيم بالذبح العظيم الّذي هو تعبير رؤياه عند اللّه وهو لا يشعر ، فالتّجلّي الصّوريّ في حضرة الخيال يحتاج إلى علم آخر يدرك به ما أراد اللّه بتلك الصّورة . ألا ترى كيف قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي بكر في تعبيره الرّؤيا : « أصبت بعضا وأخطأت بعضا » ؛ فسأل أبو بكر أن يعرّفه ما أصاب فيه ، وما أخطأ فلم يفعل صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال اللّه تعالى لإبراهيم حين ناداه : أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [ الصافات : 105 ] ، وما قال له صدقت في الرّؤيا أنّه ابنك ، لأنّه ما عبّرها ، بل أخذ بظاهر ما رأى ، والرّؤيا تطلب التّعبير ] .
--> ( 1 ) رواه ابن حبان ( 1 / 311 ) ، والبيهقي في « الشعب » ( 2 / 1178 ) ، والبيهقي في « دلائل النبوة » ( 8 / 123 ) .