علي بن أحمد المهائمي
208
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
فقال : ( وأين ثؤاج الكبش ؟ ) وهو صوته من ( نوس إنسان ) النوس : صوت سوق الإبل ، والمراد صوت الإنسان حال الشدة ، والغرض المبالغة في التعجب بأنه إذا لم يقم صوت أحدهما مقام صوت الآخر ، مع أنه من الأغراض المتقدمة ، فكيف يكون أحدهما فداء للآخر قائما مقامه ؟ ! ثم زاد تعجبا ؛ فقال : ( وعظمه اللّه العظيم ) حيث قال : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [ الصافات : 17 ] ، مع غاية دنوه في الظاهر ، والمعظم في غاية العظمة ، فلا يليق به تعظيم ما ليس بمعظم ، ثم سئل عن علة ذلك التعظيم ، فقال : ( عناية به أو بنا ) أي : أعظمه لكونه معتنى به للحق ؛ لكونه من مظاهره الجليلة ، أو لكونه لما صار فداء عن أعظم المظاهر وسببا لحفظه ؛ عظمه عناية بالمفدى عنه ، ثم تجاهل فيما سئل ، فقال : ( لم أدر من أي ميزان ) يعرف مقدار عظمته . ثم أشار إلى أنها لا تعرف بميزان القيمة ، فقال : ( ولا شك أن البدن أعظم قيمة ، وقد نزلت ) يعني : في حق إسحاق عليه السّلام ، بل في حق الكل عن سبع بدنة أو بقرة ، ( عن ذبح كبش لقربان ) قيّد بذلك ؛ لأنها أعظم في باب الدية . ثم ازداد تجاهلا ، فقال : ( يا ليت شعري كيف ناب بذاته ) أي : ليس فيه من الصفات الجليلة ما يجعله صالحا لهذا المعنى ، ( شخيص كبش ) أي : شخص واحد حقير من هذا النوع الحقير في نظر الخلق ، ( عن خليفة رحمن ) أي : النبي الكامل ، مظهر الاسم الجامع لأكثر الأسماء . ثم زاد في التعجب بأن الفداء يجب أن يكون أعلى من المفدى عنه رتبة أو غبطة ، فقال : ( ألم تدر أنّ الأمر فيه ) أي : الفداء ( مرتب ) أي : يكون الفداء ذا رتبة علية ؛ لأنه ( وفاء ) من الفادي ( لأرباح ) أي : أرباح الأخذ ( ونقص ) أي : نقى وإسقاط من الفادي ( لخسران ) « 1 » يلحق الأخذ ، وقد قال تعالى : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [ البقرة : 267 ] . ثم أشار إلى ما صلح به الكبش للفداء ، وهو أن الإنسان ، وإن كان مظهرا جامعا إلهيا ، فقد كثرت فيه الوجوه الإمكانية الحاجبة عن اللّه تعالى ، فقد عارض فيه موجب البعد موجب القرب ، وأما ما عداه ممن قلّت فيه الأمور الإمكانية فهو أعلى من وجه ، لكنه إن كثرت فيه الأمور الوجوبية صلح لفداء الإنسان الكامل وإلا فلا . قال : ( فلا شيء أعلى من جماد ) لقلّة الأمور الإمكانية ؛ لكن قلّت فيه الوجوه
--> ( 1 ) أي : خسران ذلك الكسب .