علي بن أحمد المهائمي
198
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] ) ، ولما اختص التزام الحجة بالخصم المعترض ، والاعتراض على اللّه تعالى لا يتأتي إلا من المحجوبين دون أهل الكشف التاركين للاعتراض على اللّه لاطلاعهم على سر القدر . قال : ( يعنى على المحجوبين إذ قالوا للحق : لم فعلت كذا ) من المعاصي ، ( وكذا ) من العقاب وإن كان فيه حكم كثيرة للحق ؛ لكنه ( مما لا يوافق أغراضهم فيكشف لهم عن ساق ) وهو ما بطن عنهم من سر القدر عبر عنه بالساق الذي ستره غالب في العادة ؛ فلذلك قال : ( وهو ) أي : الساق المستور عن المحجوبين في الدنيا المكشوف عنه لهم يوم القيامة ( الأمر الذي كشفه العارفون هنا ) أي : في الدنيا قبل يوم القيامة من سر القدر ( فيرون ) أي : المحجوبون عند كشف الساق في الآخرة ( أن الحق ما فعل بهم ما ادعوه أنه ) أي : الحق ( فعله ) مستقلا بدونهم ، ويرون ( أن ذلك ) الفعل ( منهم ) أي : من أعيانهم ( فإنه ) أي : الحق ما فعل بهم إلا بما علمه منهم لاستحالة انقلابه جهلا ، ( وما علمهم إلا على ما هم عليه ) ، وإلا كان جهلا ، وإذا كشف لهم عن الساق المذكور ( فتدحض حجتهم ) الباطلة ، ( وتبقى الحجة للّه البالغة ) أنهم هم الذين فعلوا ذلك بأنفسهم وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [ هود : 11 ] . [ فإن قلت : فما فائدة قوله تعالى : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] ، قلنا لو حرف امتناع لامتناع فما شاء إلّا ما هو الأمر عليه ولكن عين الممكن قابل للشّيء ونقيضه في حكم دليل العقل ، وأيّ الحكمين المعقولين وقع ، فذلك هو الّذي عليه الممكن في حال ثبوته ] . ثم استشعر سؤالا فقال : ( فإن قلت ) إذا كان الحكم تابعا لمقتضيات الأعيان بل هي الحاكمة على أنفسها لم يكن له الحكم على خلاف ذلك ( فما فائدة قوله تعالى : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] ) يا أهل الضلالة أجمعين مع أن المشيئة إنما تقال حيث يصح منه الحكم بأي نقيض اختاره . ( قلنا : ) لو شاء في قوله : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] ، لا يدل على ثبوت مشيئة هداية الجميع ؛ لأن ( « لو » حرف امتناع لامتناع ) أي : حرف بدل على امتناع الجزاء لامتناع الشرط ؛ فلا يدل على وجود مشيئة هداية الجميع بل على انتقائها ( فما شاء ) من الهداية والضلالة ( إلا ما هو الأمر ) أي : أمر أعيان المكلفين ( عليه ) كما قال : هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [ النحل : 125 ] . ثم أشار إلى أن الآية ، وإن لم تدل على وجود مشيئة هداية الجميع تدل على مكان