علي بن أحمد المهائمي

199

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وجودها فقال : ( ولكن عين الممكن ) من حيث هو ممكن ، وغير نظر إلى مقتضاها بعين الكشف ( قابل للنقيضين في حكم دليل العقل ) « 1 » فيصح تعلق المشيئة بما يفعل بالأعيان بالنظر إلى تلك القابلية لها في دليل العقل ؛ لكن السنة الإلهية جارية بأنها لا تتعلق إلا بما هو الأمر عليه . ولذلك نقول : ( أيّ الحكمين المعقولين ) أي : الجائزين على غير الممكن في دليل العقل ( وقع ذلك ) الحكم في الخارج ( هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته ) أي : هو الذي كان مقتضى عينه ، وإن جاز خلاف مقتضاها في دليل العقل ، إذ لو وقع خلافه لاختتمت الحكمة وانقلب العلم جهلا ، وبطل كمال الجود الإلهي . ثم أشار إلى أن الهداية لو فسرت بالإيصال إلى المطلوب فعدم تعلق المشيئة بها بالنسبة إلى أهل الضلالة ظاهر ؛ ولذلك لم يتعرض له مع أنه داخل في المعنى الثاني ، وهو تفسير الهداية بالبيان ، وإن فسرت به . [ ومعنى : لَهَداكُمْ لبيّن لكم وما كلّ ممكن من العالم فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه ، فمنهم العالم والجاهل ، فما شاء فما هداهم أجمعين ، ولا يشاء ، وكذلك « إن يشأ » ؟ هذا ما لا يكون ، فمشئيته أحديّة التّعلّق وهي نسبة تابعة للعلم . والعلم نسبة تابعة للمعلوم والمعلوم أنت وأحوالك فليس للعلم أثر في المعلوم ، بل للمعلوم أثر في العلم فيعطيه من نفسه ما هو عليه في عينه ] . فكذلك وإليه الإشارة بقوله : ( ومعنى لَهَداكُمْ [ الأنعام : 149 ] : لبين لكم ) يعني : الحقائق الإلهية والنبوية ، وسر القدر ، وجميع ما يتعلق بالمعاش والمعاد ، ولكن ما وقعت المشيئة على هداية الجميع بهذا المعنى ؛ وذلك لأنه ( ما كل ممكن من العالم فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه ) . وإنما قال : من العالم ليشير إلى أنه من المعلوم أن ذلك ممتنع في بعض الممكنات عقلا كالجماد والنبات . وفي البعض الآخر : وإن لم يمتنع عقلا فهو غير واقع فعلم أنه لا دخل للإمكان في اقتضاء ذلك ، ولا للإنسية والجنية بل فعل ذلك في حق البعض من الثقلين دون البعض ، ( فمنهم العالم ) لاقتضاء عينه فتح بصيرته ، ( ومنهم الجاهل ) لاقتضاء عينه عدم فتح بصيرته ، ( فما شاء ) بيان تلك الأمور لكل ممكن في العالم ، ولا لكل إنس وجن ( فما هداهم أجمعين ) بهذا المعنى الأعم فضلا عن الأخص . ثم أشار إلى أن هذا المعنى غير مخصوص بالماضي كما يوهمه ظاهر عبارة القرآن بل

--> ( 1 ) في نسخة : « للشيء ونقيضه » .