علي بن أحمد المهائمي
197
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
بمرتبتين فقال : ( ثم يأتي الكشف الآخر ) الذي يكون فيه الحق مرآة للخلق ، والمرآة سبب ظهور الصور فكأنها دالة على نفسها ، وعلى ذوى الصور ، وهي الآثار ( فيظهر لك صورنا فيه ) بعد ظهور صوره فينا ، إذ كنا مرآة له ( فيظهر بعضنا لبعض في الحق ) كالصور المجتمعة في المرآة الواحدة عند محاذاة ذوى الصور إياها يظهر لأحدهم من كان خلفه من محاذاة تلك المرآة ، وإن لم يقع عليه بصره ( فيعرف بعضنا بعضا ) بالحق ، وإن لم يكن ذلك البعض معروفا له قبل ذلك فيطلع حينئذ على أحواله ومراتبه وما جرى عليه ، وما يأتي في حقه بمقدار ما كوشف من ذلك ( ويتميز بعضنا عن بعض ) ، وإن لم يكن في الذات أجزاء تنطبع صور البعض في جزء البعض الآخر في جزء آخر ، بل هي كالصور المنطبعة في مرآة القلب ، وفيه دلالة المؤثر على الأثر ، إنما تحصل دلالة عليه ؛ ولكن في حق مكاشف يعرف أن هذه المعرفة وقعت له في مرآة الحق ؛ لكن لا يعرف أن هذه المعرفة وقعت له في مرآة الحق ؛ لكن لا يعرف كل مكاشف ذلك . ( فمنا من يعرف أن في الحق وقعت هذه المعرفة لنا بنا ) أي : بظهورنا فيه لا بنفس الحق فنحن الدليل أو لا في تلك الحالة أيضا فلا تتم دلالة المؤثر على الأثر كل وجه على أن ذات الحق تكون مستورة حينئذ لوجوب استتار المرآة عند ظهور الصورة فيها على ما مر ، ( منا من يجهل الحضرة التي وقعت فيها هذه المعرفة ) منا فيزعم أن المرآة مرآة العقول ، أو النفوس السماوية ، أو أنها وقعت لنا لا ( بنا ) ، أو أن صورنا صارت عين الحق فهذا مع هذا الكشف الذي هو غاية النور باق في ظلمة الجهل . ولذلك ( قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ البقرة : 67 ] ) ، ثم أشار إلى أن مبنى الاستدلالين على القول بالمؤثر والأثر ، وهو إنما يتم لو كان تأثيره من حيث هو ؛ لكن الكشفان المذكوران يمنعان من ذلك فقال : ( وبالكشفين معا ما يحكم علينا إلا بنا ) إما بالكشف الأول أعني : تجلي الحق في مرايا الأعيان فلاختلاف صوره بحسبها ، وحسب أحوالها فما يحكم على كل واحد منها بالتجلي المخصوص بها إلا بمقتضاها . وإما بالكشف الثاني أعني : ظهور صورنا في مرآة الحق فلأن تميز بعضنا عن بعض هناك ليس بحسب المرآة لوحدتها ، وعدم الاختلاف فيها بل بحسب ما فاض علينا من مفضيات أعياننا فما حكم علينا بالتجليين إلا بنا لا أي : الحق ( لا ) يحكم علينا ابتداء بشيء ( بل نحن نحكم علينا بنا ) أو لا ؛ لأن حكمه تابع لعلمه التابع لمقتضيات الأعيان ، وهي الحاكمة بأنفسها على أنفسها ابتداء . ( ولكن ) اقتضاء الأعيان الثابتة ، إنما هو حال ثبوتها ( فيه ) أي : في علمه فنسب ذلك إليه ؛ لأنه الموجود دونها ؛ ( ولذلك ) أي : ولكوننا الحكام علينا بنا ( قال تعالى : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ