علي بن أحمد المهائمي

196

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

ولا على الأثر فهو أي : المألوه ( فهو الدليل عليه ) أي : على كونه إلها ، وعلى أنه أثر له ؛ لكن هذا في طريق النظر والاستدلال ، والذي ذكروه من برهان لم لو صح ، فإنما هو في حال الكشف فجعله من قبيل الاستدلال غلط سلمنا أنه منه ، فلا نسلم أنه من غير نظر في العالم أولا ، بل هو متأخر عنه لمن تبين . وإليه أشار بقوله : ( ثم بعد هذا ) أي : دلالة العالم على الصانع ( في ثاني حال يعطيك الكشف ) الذي ليس من الاستدلال في شيء لا بالأثر على المؤثر ولا بالعكس ، ( أن الحق نفسه ) من حيث ظهوره في المظاهر ( كان ) عند استدلالنا بنا عليه ( عين الدليل على نفسه ) أي : ذاته ( وعلى ألوهيته ) للأشياء ، وذلك أنه يعلم بالكشف المذكور ، ( أن العالم ) الذي كان يستدل به على الصانع ( ليس إلا تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه ) ، فيعلم بهذا الكشف أنه كان قد دل وجوده فيها على وجوده في نفسه ، وعلى أنه أوجدها تجليه فيها ، ويعلم أيضا بالكشف المذكور ( أنه يتنوع ) صوره ؛ وذلك لأنه ( يتصور بحسب حقائق الأعيان وأحوالها ) . وقد كان يحتجب عنا بهذا التنوع فتتوهم أن وجودها مع كثرتها واختلافها كيف يكون الوجود الواحد الحق الذي لا اختلاف فيه أصلا ، ولكنها أمور ممكنة تفتقر إلى واجب الوجود المرجح وجودها على عدمها ، وإنما اعتبر أحوالها ؛ لأن الشخص الواحد قد تختلف صوره باختلاف أحواله مع وحدة عينه الثابتة . ثم صرّح بالمقصود أعني : أنه لا بدّ في معرفة الصانع في الجملة من نظر في العالم أولا فقال : ( وهذا ) أي : معرفة أنه المتجلي في أعياننا ، إنما هو ( بعد العلم منا أنه إله لنا ) ، إذ لا نشك أننا موجودون بوجود ليس بالأثر على المؤثر . [ ثمّ يأتي الكشف الآخر فيظهر لك صورنا فيه ، فيظهر بعضنا لبعض في الحقّ ، فيعرف بعضنا بعضا ويتميّز بعضنا عن بعض ، فمنّا من يعرف أن في الحقّ وقعت هذه المعرفة لنا بنا ، ومنّا من يجهل الحضرة الّتي وقعت فيها هذه المعرفة بنا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ البقرة : 67 ] ، وبالكشفين معا ما يحكم علينا إلّا بنا ، لا ، بل نحن نحكم علينا بنا ولكن فيه ، ولذلك قال تعالى : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] يعني على المحجوبين إذ قالوا للحقّ لم فعلت بنا كذا وكذا ممّا لا يوافق أغراضهم ، فيكشف لهم عن ساق ، وهو الأمر الّذي كشفه العارفون هنا فيرون أنّ الحقّ ما فعل بهم ما ادّعوه أنّه فعله وأنّ ذلك منهم ، فإنّه ما علمهم إلّا على ما هم عليه ، فتدحض حجّتهم وتبقى الحجّة البالغة للّه ] . ثم أشار إلى ما يشبه دلالة المؤثر على الأثر مع تأخره عن دلالة الأثر على المؤثر