علي بن أحمد المهائمي
187
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أحكام المحدثات باعتبار ظهوره في الأعيان ، وظهور الأعيان فيه مع أنه باعتبار ذاته منزه عنهما ، وليس محلا للحوادث ؛ وذلك لأنه ( لا يحكم عليه ) بتلك الأحكام الحادثة ( إلا عين ما تجلى فيه ) ، فتلك الأحكام إنما هي في صورته ؛ فلا يكون هو من حيث هو محلا للحوادث ، هذا على تقدير ظهوره في الأعيان ظاهر ، وكذلك على تقدير ظهور صور الحوادث في مرآة الحق ، إذ الصور المرئية في المرآة المحسوسة ليست في جرمها ، ولا في سطحها ، ولا في ثخنها ، لما أنها ترى كبيرة بعيدة فوق قدر ثخنها ومقدارها ، فهي معلقة ظاهرة في عالم المثال . [ ما ثمّ إلّا هذا ، فالحقّ خلق بهذا الوجه فاعتبروا ، وليس خلقا بذاك الوجه فادّكروا من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته ، وليس يدريه إلّا من له بصر جمع وفرق ؛ فإنّ العين واحدة وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر فالعليّ لنفسه هو الّذي يكون له الكمال الّذي يستغرق به جميع الأمور الوجوديّة والنّسب العدميّة بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها ، سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا ، وليس ذلك إلّا لمسمّى اللّه خاصّة وأمّا غير مسمّى اللّه ممّا هو مجلى له أو صورة فيه . فإن كان مجلى له فيقع التّفاضل ، لا بدّ من ذلك بين مجلى ومجلى ؛ وإن كان صورة فيه فتلك الصّورة عين الكمال الذّاتيّ لأنّها عين ما ظهرت فيه ، فالّذي لمسمّى اللّه هو الّذي لتلك الصّورة ، ولا يقال : هي هو ولا هي غيره ] . وإليه الإشارة بقوله : ( ما ثم ) أي : في الواقع ( إلا هذا ) التجلي لا حلول الحوادث فيه ، ولا اتحادها به من كل وجه ، وإذا عرفت أنه يتنوع بالتجلي ، ويقبل أحكام الحوادث منه ( فالحق خلق بهذا الوجه ) أي : بتنوعه بالتجلي ، وقبول تلك الأحكام ( فاعتبروا ) في العين الواحدة جهة الحقية ، والخلقية ( وليس خلقا بذلك الوجه ) أي : باعتبار تنزهه عن الأحكام الإمكانية بالنظر إلى ذاته وصفاته الأزلية ( فادّكروا ) أي : ظهور الحق في مرآة الخلق فإن الظاهر في ذلك النظر ( من ) وجهي عينية الحق للخلق ، وغيريته لهم ( لم تخذل بصيرته ) بنفي ما هو ثابت من الحق ، وإثبات ما ليس بثابت من الخلق إلا من جهة إشراق نور الحق عليهم ، ( وليس يدريه إلا من له بصر ) يبصر به الأشياء كما هي . ثم أشار إلى ذلك الإبصار بقوله : ( جمع وفرق ) أي : قل بالجمع والفرق معا إذ إفراد الجمع زندقة ، وإفراد التفرقة تعطيل ، والصواب أخذهما معا ( فإن العين واحدة ) باعتبار ، ( وهي ) العيون ( الكثيرة ) باعتبارات أخرى بحيث ( لا تبقي ) وحدتها بتلك الاعتبارات ، ( ولا تذر ) وحدتها بالاعتبار الأول على مانبّه عليه في مثال الواحد مع العدد والطبيعة مع الإفراد ، وهذا اقتباس يشير إلى أنه في الحيرة كحيرة من وقع في سقر التي وصفها اللّه تعالى