علي بن أحمد المهائمي

176

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

لإدريس عليه السّلام مع كونه إنسانا كاملا من كبار الأنبياء عليهم السّلام عرفنا أنه ليس لإنسان آخر لذاته ، ولما قال تعالى : ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] ، فهذا ) العلو الذي أثبته اللّه تعالى لآدم عليه السّلام عند الملائكة ( علو المكانة ) ، وهي الخلافة مع كون آدم جامعا لأسرار أولاده الكمّل ما عدا الخاتم عرفنا أنه ليس لإنسان آخر لذاته ، ولما ( قال في ) حق ( الملائكة ) حين عاتب إبليس : ( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ ص : 75 ] ، فجعل العلو للملائكة ) بعضهم إذ قسمهم إلى العالين وغيرهم ، ولم يمكن لإبليس أن يقول : أنا منهم ( فلو كان ) العلو للملائكة ذاتيّا ( لكونهم ملائكة ؛ لدخل الملائكة كلهم في هذا العلو ) ، فلم يصح التقسيم ، ولصح لإبليس أن يقول : أنا منهم ( فلمّا لم يعم مع اشتراكهم في ) كل الملائكة في ( حد الملائكة عرفنا أن هذا ) العلو ليس بذاتي لأحد من الملائكة بل هذا ( علو المكانة ) لأولئك العالين خاصة ( عند اللّه ، وكذلك الخلفاء من الناس لو كان علوهم ) الذي ثبت لهم ( بالخلافة علوا ذاتيا ) لكونهم إنسانا ، ( لكان ) ذلك العلو ( لكل إنسان ) سواء كان خليفة أم لا ؛ لأن ما بالذات لا يزول بالغير ، فلا يزول بزوال الخلافة ( فلما لم يعم ) بل اختص بالخلفاء ، ( عرفنا أن ذلك العلو للمكانة ) « 1 » ، وهي الخلافة في حقهم لدورانه معها وجودا وعدما . ثم استدل على أن العلو بالذات ، إنما يكون للّه تعالى إذ ما يكون للمكان أو المكانة فإنما يكون بالنسبة إلى ما كان آخرا ومكانة أخرى ، وما بالذات لا يتوقف على الغير ، والنسبة متوقفة على المنتسبين ، فقال : ( ومن أسمائه الحسنى : العلي ) . ولا شكّ أن أسماء اللّه تعالى قديمة ؛ فعلوه ( على من ) يكون من الأشخاص أولى الرتب في الأزل . ( وما ثم ) أي : في الأزل ( إلا هو ) أو ( عن ماذا ) يكون من الأمكنة ، ( وما هو إلا هو ) أي : لا هوية لأحد في الأزل سواه ، وإذا لم يكن علوه من المكانة ، ولا من المكان في الأزل ، وقد سمي بالعليّ فيه ( فعلوه لنفسه ) لا لمكانة تفرض له بالنظر إلى مكانة غيره ، ولامكان يفرض له أعلى من مكان غيره . [ وهو من حيث الوجود عين الموجودات ، فالمسمّى محدثات هي العليّة لذاتها وليست إلّا هو ، فهو العليّ لا علوّ إضافة ، لأنّ الأعيان الّتي لها العدم الثابتة فيه ما شمّت رائحة من الوجود ؛ فهي على حالها مع تعداد الصّور في الموجودات ، والعين واحدة

--> ( 1 ) أي الحاصلة للخلفاء عند اللّه أو عند الناس لا لنفس طبيعتهم الإنسانية ليكون ذاتيا ولا للعلو المكاني إذ لا اختصاص لهم حين الخلافة لمكان لا يكون للمستخلف عليهم .