علي بن أحمد المهائمي

157

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

[ العنكبوت : 69 ] ( بعيد عن نتائج العقل ) « 1 » سيما إذا تجرد عن نور الشرع ، وإذا كان في حق صاحب النظر هذا الحال لا جرم ، ولم يزد في حق مقلده ( إِلَّا خَساراً [ نوح : 21 ] ) سيما إذا ترك تقليد الأنبياء - عليهم السلام - لأجله ، فإذا بعد عن نتائج العقل المجرد عن نور الشرع والكشف ، ( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] ) في إتعابهم الأفكار في تحصيل المقدمات النظرية ، وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [ البقرة : 16 ] ، إلى ما يطابق الواقع من تلك المعارف فكانوا خاسرين . ( فزال عنهم ) بكشف الحجب بالموت عنهم ، ( ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم ) يتصرفون فيه ، وينتفعون به تصرف الملاك وانتفاعهم ، ( وهو ) أي : تلك المعارف العقلية بنور الكشف ثابت ( في المحمّديين ) ؛ فإنهم ما لكون لها ينتفعون بها ، ويفيضونها على من يرونه أهلا لذلك بدليل قوله تعالى في شأنهم : ( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] ) ، فأمرهم بإنفاق العلوم العقلية ، وهو شأن الملاك خلافة عن اللّه تعالى كأنهم قائمون قيامه في الملك ملكهم الاختيار في ذلك ، وكذا ( في ) حق مؤمني قوم ( نوح عليه السّلام ) إذ قال في حق أولادهم : ( أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [ الإسراء : 2 ] ) ، ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [ الإسراء : 3 ] ، فهم أصل في ذلك الأمر أمروا ألا يتخذوا غير اللّه من أفكارهم وكيلا في تحصيل العلوم العقلية ، ولم يبق لهم اختيار في الاستفاضة والإفاضة . وإذا أمرهم اللّه أن يتخذوه وكيلا في تحصيل تلك العلوم وإفاضتها ، ( فأثبت الملك لهم ) في تلك العلوم ( والوكالة ) في تحصيلها ، وإفاضتها ( للّه ) إذ جعل المالك وكيلا لا يتصور ؛ لكنه لا شكّ في أنه مالك بالأصالة فهم مستخلفون ( فيه ) أي : في ملك تلك العلوم عن اللّه ، وإذا كانوا ( مستخلفين ) في ملك تلك العلوم ، ( فالملك ) في تلك العلوم ( للّه ) ومع كونه مالكا ( هو وكيلهم ) ؛ لأنه قد ملكهم ، ( فالملك ) بعد تمليكه إياهم ذلك ( لهم ) لا بذاتهم ؛ ولذلك قال : ( وذلك ملك الاستخلاف ) فليس لهم التصرف في ذلك باختيارهم ؛ بل الاختيار للّه وإلا كانوا اتخذوا من دونه وكيلا من أنفسهم ، ( وبهذا ) أي : وبتلك المعارف الكشفية ( كان الحق مالك الملك ) تتصرف عبيده في معارفه تصرف الملاك ، وينتفعون بها انتفاعهم ، ( كما قال الترمذي ) . وقد روى عن أبي يزيد رضي اللّه عنه أنه قال في مناجاته حين تجلى له الملك الحق المبين : « ملكي أعظم من ملكك ؛ لأنك لي ، وأنا لك ، فأنا ملكك وأنت ملكي ، وأنت العظيم

--> ( 1 ) في نسخة : « الفكر » .