علي بن أحمد المهائمي
152
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( وَنَهاراً [ نوح : 5 ] ) ، أي : إلى الظاهر من حيث ظهوره في صورهم وجثثهم ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [ نوح : 6 ] ) ، عن اللّه إلى نفوسهم المظلمة لعجزهم عن رؤية الجمعية الإلهية في صورة التفرقة التي كانت في هذه الدعوة بحسب اللفظ ، ولكنها لما كانت جمعية بحسب الحقيقة ، أثرت في أرواحهم فأفادتهم من المعرفة ما علموا به ، وجوب إجابة دعوته كما أشار إليه بقوله : ( وذكر ) نوح ( عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته ) ؛ لاشتمالها على الجمع بين التنزيه والتشبيه في الحقيقة ، وإن كانا على سبيل التفرقة في اللفظ ، وإذا كان دعوة جمعيته في الحقيقة تفريقية في اللفظ كانت مؤثرة في التفريق من وجه ، والتغير من آخر ( فعلم العلماء باللّه ) الواقفون على تأثيرات الدعوات في التعريف بقدر جمعيتها ، والتغير بقدر نوريتها ( ما أشار إليه نوح عليه السّلام في حق قومه من الثناء عليهم ) حيث علموا وجوب إجابة دعوته لما فيها من الجمعية الحقيقية ( بلسان الذم ) حيث لم ينقادوا لما علموا وجوبه ، بل تبعوا نفوسهم الأمارة ، فاقتصروا على ما فيها من التفرقة بحسب اللفظ ، ( وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته ) بالقول فيه إشارة إلى أن معرفة أرواحهم وجوب إجابته ، إجابة من وجه ، بل من كل وجه لو لم يعقبهم ظلمات نفوسهم الأمارة التي أقوتها باقتصار النظر في اللفظ المفرق ( لما فيها من الفرقان ) ، أي : ذكر التشبيه بلفظ والتنزيه بآخر ، وكذا ذكر الظاهر بلفظ ، والباطن بآخر فلم تتم نوريتها بحيث تجذب أرواحهم جذبا قويّا إلى ما فاضت هي منه من الحضرة الإلهية ، ( والأمر ) أي : الذي منه فيض أرواحهم ( قرآن ) جامع بين حضرة الوجوب ، وهي حضرة التنزيه والبطون ، وبين حضرة الإمكان ، وهي حضرة التشبيه والظهور من غير افتراق بينهما ، كما قال : ( لا فرقان ) فلو دعا بطريق القرآن لأثرت دعوته في رفع الحجب الظلمانية من كل وجه ، فانجذبت أرواحهم إلى مقارها الأصلية ، وتركت متابعة النفوس الأمارة ، فلما دعا بطريق الفرقان بقيت الحجب ، وذلك لأن ( من أقيم ) أي : كان مقيما في الأصل ( في القرآن ) ، وهي الأرواح قبل التعلق بالأشباح ( لا يصغي إلى الفرقان ) إصغاء ينجذب به لا محالة إلى مقره الأصلي ، إلا إذا كان ممن سفل من رؤية التفرقة إلى رؤية الجمع ، وإليه الإشارة بقوله : ( ولو كان ) أي : الفرقان المدعو إليه في دعوة نوح بحسب اللفظ ( فيه ) أي : في القرآن إذ كل كثرة ترجع إلى الوحدة فلو كانت أرواحهم كاملة لرجعت إلى القرآن عند رؤية هذا الفرقان ( فإن القرآن يتضمن الفرقان ) ، فإن النظر إلى الأجزاء المتفرقة مفرق عن النظر إلى الهيئة المجموعية ، إلا في حق الكمّل الذين لا يحجبهم شيء عن شيء . ( ولهذا ) أي : ولكون القرآن متضمنا للفرقان شاملا على أجزائه جامعا للمعارف ( ما