علي بن أحمد المهائمي
149
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ثم استدل على أنك له كالصورة الجسمية لك ، وإنه كالروح المدبرة لصورة جسدك بما أشار إليه النص الإلهي بقوله : ( وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثني بلسانها على روحها ، ونفسها ، والمدبر لها ، ) وهو الحق ( كذلك جعل اللّه صورة العالم تسبح بحمده ) كأنها تسبح على روحها بما ظهر فيها من كمالاته ؛ ( ولكن لا نفقه تسبيحهم ) أي : تسبيح كل واحد بما فيه من الكمال المخصوص على التفصيل ؛ ( لأننا لا نحيط بما في العالم من الصور ) المسبحة كل منها يسبحه بتسبيح خاص على وفق كماله المخصوص به ، وإذا كان من الأرواح صور الحق ، والحق روحها المدبر لها ، ( فالكل ألسنة الحق ) ينطق بها نطق أرواحنا بألسنتنا ( ناطقة بالثناء على الحق ) « 1 » الذي هو روحها ؛ ( ولذلك ) أي : ولكون الكل ألسنة الحق . ( قال اللّه تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] ) فأضاف مطلق الحمد من جميع الموجودات إلى اللّه تعالى « 2 » ، وبين جهة إضافته على الإطلاق إليه بقوله : ( رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] ) ، ولما كان بعض تلك المحامد من الخلق للخلق بحسب الظاهر ، قال : ( أي : إليه يرجع عواقب الثناء ) ؛ لأنه الحامد نفسه بألسنة بعض صوره على بعضها ، إذ الحمد للصورة حمد لذي الصورة ، ( فهو المثني ) من حيث هو روح الكل ، والروح من كل شيء هو الناطق بلسانه ، ( والمثنى عليه ) من حيث إن الكل إنما يثني على ذاته أو صوره . وإذا عرفت أن المعرفة الصحيحة هي الجمع بين التنزيه والتشبيه دون التقييد بأحدهما ؛ فانظر في لوازمها ، ( فإن قلت بالتنزيه ) المحض ( كنت مقيّدا ) للحق بمباينته للكل من كل وجه مع أنه لا بدّ من مناسبة الدليل ، والمدلول ، والفاعل ، والمنفعل ، والصورة ، وذي الصورة ، ( وإن قلت بالتشبيه ) المحض ( كنت محدّدا ) للحق في ذاته ، وجعلته من الأجسام التي يجب تناهي أبعادها . ( وإن قلت بالأمرين ) التنزيه باعتبار الذات ، والصفات السلبية ، والتشبيه باعتبار الصفات الوجودية والظهور في المظاهر الكونية ( كنت مسددا ) قائلا بأقوى الأقاويل لجمعه
--> ( 1 ) في نسخة : « عليه » . ( 2 ) ولسان الحمد ثلاثة : لسان الإنسانيّ ، ولسان الروحانيّ ، ولسان الربانيّ ، أما « اللسان الإنسانيّ » : فهو للعوام ، وشكره بالتحدث بإنعام اللّه وإكرامه ، مع تصديق القلب بأداء الشكر . وأما « اللسان الروحاني » : فهو للخواص ، وهو ذكر القلب لطائف اصطناع الحق في تربية الأحوال ، وتزكية الأفعال . وأما « اللسان الربانيّ » : فهو للعارفين ، وهو حركة السرّ ، يصدق شكر الحق جلّ جلاله بعد إدراك لطائف المعارف ، وغرائب الكواشف بنعت المشاهدة والغيبة في قربه ، واجتناء ثمرة الأنس ، وخوض الروح في بحر القدس ، وذوق الأسرار مع مباينة الأنوار .