علي بن أحمد المهائمي
150
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
بين الدلائل العقلية الدالة على التنزيه ، والسمعية الدالة على التشبيه ، ( وكنت إماما في المعارف سيدا ) ، إذ تصير قائلا بالتوحيد ، إذ لا يتصور بدون القول بالظهور ، وإلا لوجب أن يقول الموحد : إن الموجود الواحد قد يكثر بالإفراد ، وهو القول بتعدد الآلهة ، ولذا قال : ( فمن قال بالإشفاع ) أي : بتعدد الوجود الواحد بناء على أنه كلي يكثر بالإفراد ( كان مشركا ) قائلا بتعدد الآلهة . وهذا ما ذكره الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتاب ( الصبر والشكر » في « الإحياء » في بيان كشف الغطاء عن الشكر حيث قال الفريق الثاني : الذين ليس بهم عمى ؛ ولكن بهم عور يبصرون بإحدى العينين ، وجود الموجود الحق فلا ينكرونه ، والعين الأخرى إن تم عماها أثبت موجودا آخر مع اللّه ، وهذا مشرك تحقيقا ، كما كان الذي قبله جاحدا تحقيقا . ( ومن قال بالإفراد ) أي : بأن الوجود فرد واحد أزلا وأبدا ظهر في جميع الموجودات ( كان موحدا ) بتوحيد الخواص ( فإياك والتشبيه إن كنت ثانيا ) قائلا بتعدد الوجود فإن القول : بالتشبيه معه يستلزم تشبيه وجود الحق بوجود غيره فيلزم تعدد الآلهة ، ( وإياك والتنزيه إن كنت مفردا ) فإن القول : بتنزيه الحق عن الظهور في المظاهر مع القول بوحدة الوجود ، وحدة شخصية يستلزم القول بعدم تحقق الحوادث في الخارج ، وهو سفسطة . ثم قال لمن أفرد الوجود ، وقال : بظهوره في المظاهر ( فما أنت هو ) ؛ لأنه كل الوجود ، ولست كله بل أنت صورة من صوره ( بل أنت هو ) إذ لا تحقق بشيء دونه كمالا تحقق لصورة المرآة بدون ذي الصورة ، وهي كأنها ذو الصورة ، ( وتراه ) أيها المفرد القائل : بظهوره في المظاهر ( في عين الأمور مسرّحا ) أي : مطلقا غير مقيد بها باعتبار ذاته ( ومقيّدا ) بكل واحد باعتبار ظهوره في ذلك الواحد . ثم استدل على أن كمال المعرفة في الجمع بين التنزيه والتشبيه مع أخذ كل منهما في الآخر ؛ فقال : ( قال تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، فنزه ) ؛ لأنه نفى مثل المثل وإلا كان مثلا لمثله فلا يصح نفي مثل المثل مع تحقق المثل وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] ، ( فشبه ) بإثبات السمع والبصر له المناسبين لسمعنا وبصرنا من وجه فدل أول الآية على التنزيه وآخرها على التشبيه . ثم أشار إلى أن عكس هذا أيضا مدلول الآية ليدل على أن كلا منهما في الآخر لا يفارقه ؛ فقال : ( قال تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، فشبه ) بنفي مثل المثل بطريق دلالة المطابقة فدل على إثبات المثل ، وهو صورته الظاهرة في المظاهر مع نفي المثل عنها بمعنى : أنه لا يماثلها صورة أخرى من كل وجه ؛ لعدم تكرر التجليات مع عدم