علي بن أحمد المهائمي
147
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ولذلك وقع فيه الاختلاف الذي قلما وقع مثله في موضع آخر ؛ ( ولذلك ) أي : ولأجل أنه لا يمكن معرفة الحق إلا على الإجمال كمعرفة النفس ( ربط النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معرفة الحق بمعرفة النفس ) تنبيها على أنها مع غاية قربها ، ودوام حضورها إذا لم تعرف إلا بالإجمال ، فكيف يعرف الحق مع غاية بعده عن العقول والأوهام إلا بالإجمال . وقال تعالى عطف على قوله : « ربط » أي : ولذلك ( قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا [ فصلت : 53 ] ) أي : ظهور أسمائنا وصفاتنا ( فِي الْآفاقِ ) [ فصلت : 53 ] ، ( وهو ما خرج عنك ) من صور العالم ، فأحال معرفته على معرفة الآفاق ، ولا تعرف الآفاق إلا بالإجمال ، فلا يعرف الرب إلا بالإجمال ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصلت : 53 ] ، وهو عينك ) أي : ذاتك فأحال معرفته عليها أيضا ، كما أحال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معرفته عليها ، وهي أيضا إجمالية ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ [ فصلت : 53 ] ، أي : للناظرين ) في حقائقها الممكنة التي لا وجود لها بأنفسها فسر الضمير بالناظرين ؛ لأن المعرضين عن النظر لا يتبين لهم ( أَنَّهُ [ فصلت : 53 ] ) أي : الظاهر فيها الذي أفاد لها الوجود ( الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] ) الذي وجوده ذاته لا باعتبار حلوله فيها ، أو اتحاده من كل وجه بها بل ظهوره فيها ( من حيث إنك ) أيها العالم ، والإنسان باعتبار ظاهرك وباطنك ( صورته ، وهو ) باعتبار المعنى والحقيقة ( بروحك ) الذي به قوام صورتك الروحانية والجسمانية ، ( فأنت ) بها العالم والإنسان باعتبار روحك وجسمك ( له كالصورة الجسمية لك ) أي : لروحك فإن الصورة الجسمية لك صورة لروحك من وجه يظهر بها في المنام ونحوه ، وإن لم يكن لروحك لتجرده صورة أصلا . ( وهو ) أي : الحق ( لك ) بها العالم ، والإنسان باعتبار المعنى والحقيقة ( كالروح المدبر لصورة جسدك ) ، وإن كان روحك مكتسبا للكمالات بهذا التدبير ، والحق تعالى لا يكتسب شيئا من الكمالات بكن فقد صرت بروحك وجسمك مظهر الباطنة ، وظاهره فأشبه مجموعك بمجموعه مع أنه باعتبار المعنى والحقيقة أشبه روحك في تدبيرك فيحصل تعريفه بظاهرك وباطنك على سبيل التمثيل ، فكأنه محدود بحدك في الظاهر والباطن . ( والحدّ يشمل الظاهر والباطن منك ) ؛ فإن الحيوان الناطق في حدّ الإنسان يشمل ظاهره : وهو الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة ، وباطنه : وهو النفس الناطقة المدركة للكليات . [ فإنّ الصّورة الباقية إذا زال عنها الرّوح المدبّر لها لم تبق إنسانا ، ولكن يقال فيها : إنّها صورة تشبه صورة الإنسان ؛ فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة ولا ينطلق عليها اسم الإنسان إلّا بالمجاز لا بالحقيقة ، وصور العالم لا يمكن زوال الحقّ