علي بن أحمد المهائمي

145

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الإشارة الحسية فإنه لقبول ظهوره في العالم يقبل ظهوره في المفهومات بخلاف من أنكر ظهوره في العالم ، فإنه ينكر ظهوره في المفهومات أيضا فيبطن عن فهمه ، وكيف لا يكون العالم مظهرا له ، ( وهو الاسم الظاهر ) أي : سبب تسميته بالظاهر . ثم شبّه بطونه في المفهومات ببطونه في العالم مع غاية ظهوره فيهما ؛ فقال : ( كما أنّه ) أي : الحق مع غاية ظهوره في صور العالم ( بالمعنى ) أي : بالحقيقة ( روح ما ظهر ) أي : روح تلك الصور التي ظهرت منه يدبر فيها تدبير الروح للبدن ، وروح كل شيء باطنه ( فهو الباطن ) باعتبار حقيقته لا صورة له ولا ظهور ، وإذا كان هو الباطن بالنسبة إلى العالم مع ظهور صورة ظاهرة ، وباطنة فيه باعتبار أرواحه وأجسامه ( فنسبته ) من حيث المعنى والحقيقة التي بها بطونه المطلق ( لما ظهر من صور العالم ) الروحانية والجسمانية التي هي مظاهر باطنه من وجه ، ومظاهر ظاهرة ( نسبة الروح ) الإنساني ( المدبّر للصورة ) الإنسانية ، إذ بوجوده قوام وجود كل شيء ، إذ لو فرض له عدم أو غيبة لانعدمت الأشياء ، وإذا كان الحق بمنزلة الروح لأرواح الأشياء ، وأجسامها لا تحقق لها بدولة ( فيؤخذ في حدّ الإنسان مثلا باطنه ) باعتبار ظهور باطنه في روحه ، ( وظاهره ) باعتبار ظهور ظاهره في جسمه ، وليس المراد بالحد التعريف . ولذلك قال : ( وكذلك كل محدود ) في الموجودات يؤخذ فيها ظاهر ( الحق ) باعتبار جسمه وباطنه باعتبار روحه أو قوته بالحق باعتبار ظهور باطنه وظاهره في الموجودات ( محدود بكل حد ) تعريفي للمظاهر مع أنه ليس بمحدود في نفسه لا باعتبار التناهي ، ولا باعتبار الحد التعريفي . [ وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ولا تعلم حدود كلّ صورة منها إلّا على قدر ما حصل لكلّ عالم من صورة ، فلذلك يجهل حدّ الحقّ فإنّه لا يعلم حدّه إلّا بعلم حدّ كلّ صورة ، وهذا محال حصوله : فحدّ الحقّ محال ، وكذلك من شبّهه وما نزّهه فقد قيّده وحدّده وما عرفه ، ومن جمع في معرفته بين التّنزيه والتّشبيه ووصفه بالوصفين على الإجمال ؛ لأنّه يستحيل ذلك على التّفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصّور ، فقد عرفه مجملا لا على التّفصيل كما عرف نفسه مجملا لا على التّفصيل ، ولذلك ربط النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم معرفة الحقّ بمعرفة النّفس ؛ فقال : « من عرف نفسه ؛ فقد عرف ربّه » « 1 » ، وقال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ [ فصلت : 53 ] ، وهو ما خرج عنك وَفِي أَنْفُسِهِمْ وهو عينك حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ ، أي للناظرين أَنَّهُ الْحَقُّ

--> ( 1 ) رواه أبو نعيم في « الحلية » ( 10 / 208 ) ، وذكره العجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 262 ) ، والمناوي في « فيض القدير » ( 1 / 291 ) .