علي بن أحمد المهائمي
136
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
بإمداده ومن يمده ويمد به إذ لا اختيار بدون ذلك في الإمداد ( بعينه ، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه الجسدي ) « 1 » ، كأنه اتحد فيه جهة العلم والجهل حيث صار الأمر الواحد بالوحدة الحقيقية عالما وجاهلا في زمان واحد بالنسبة إلى أمر واحد ( فهو العالم الجاهل ) ؛ لأن ما بالذات لا يزول بالغير ، وإن اختفى به قبل نكشف الحجب عنه إذا كانت الهيئات الطبيعية حاجبة للنفس عما في الروح من الأسرار الكامنة كما أن السراج منير بكل حال ، إلا أن أحجاب بينه وبين الجدار مانع من استنارة الجدار لا من نور السراج في ذاته ، وإذا كان هو العالم الجاهل ، وهما ضدان لتواردهما على محل واحد مع غاية الخلاف بينهما ( فيقبل الاتصاف ) بالإمداد فيكون هذا الجهل من كمالاته لا من نقائصه إذ بتثبته بذلك بربه في قبوله ( بالأضداد ، كما يقبل الأصل ) أي : الحق تعالى ( الاتصاف بذلك بالجليل والجميل ) متضادان ، ( والباطن والظاهر ) متضادان ، ( والأول والآخر ) متضادان فاجتمعت في الأصل الأضداد من وجوه كثيرة . ( وهو ) أي : الخاتم من كمال اتصافه بصفاته على الطاقة البشرية كأنه ( عينه ، وليس غيره ) فيتصف بالضدين في مراتب العلم أيضا من وجوه كثيرة ، ( فيعلم ولا يعلم ) علم اليقين ، ( ويدري ولا يدري ) عين اليقين ، ( ويشهد ولا يشهد ) حق اليقين وشيث ابن آدم - عليهما السلام - ( بهذا العلم ) أي : علم استناد كل عطاء إلى ما منه من الذات والأسماء ( سمّي شيثا ؛ لأن معناه ) بالعبرانية الهبة أي : ( هبة اللّه ) استغنى عن الفاعل لتعينه كأنه بهذا العلم كان نفس العطايا مع أنه أعظم هبة لآدم ، مع أنه كان ممدا لمن عداه ؛ فهو هبة من كل وجه ، كأنه هبة كلية شاملة على الجزئيات ، ( فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها ونسبها ) ، فإن روحه لكليته يتصرف بخلافة الحق في كل هذه الجزئيات ، وكيف لا يكون كليا ( فإن اللّه وهبه لآدم عليه السّلام أول ما وهبه ) ، فلابدّ أن يكون كليّا تتفرع منه الهبات الجزئية ، وكيف لا يكون كليّا ؟ ! ( وما وهبه إلا منه ) ، وهو جامع للأسماء كلها فهبته جامعة لآثارها . وإنما وهبه منه ؛ ( لأن الولد سر أبيه ) ، وإذا كان سره ( فمنه خرج ) سره ، ( وإليه عاد ) السر حين صار هبة له ( فما أتاه ) أي : آدم عليه السّلام ( غريب ) من العطاء بل سره هو الذي أعطاه ، وهذه المعرفة إنما تكمل ( لمن عقل عن اللّه تعالى ) أنه ما أعطى شيئا إلا ما علمه منه فاقتضاه ، ومقتضى عين السر سره ؛ فهو المردود عليه . [ وكلّ عطاء في الكون على هذا المجرى ، فما في أحد من اللّه شيء ولا في أحد من سوى نفسه شيء ، وإن تنوعت عليه الصّور ، وما كلّ أحد يعرف هذا ، وأنّ الأمر على ذلك إلّا آحاد من أهل اللّه ؛ فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه ، فذلك هو عين
--> ( 1 ) في نسخة : « العنصري » .