علي بن أحمد المهائمي
122
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
متوسطة بين الرائي والمرآة ( حتى أن بعض من أدرك مثل هذا ) المنع من رؤية الجرم ( في صور المرايا ، ذهب إلى أن الصورة المرئية ) في المرآة ثابتة ( بين بصر الرائي ، وبين المرآة ) ليست في جرم المرآة ، وإلا لم تحجب عن رؤية ظاهر الجرم هذا البيان ، ( وهو ) « 1 » إقامة التمثيل المذكور ( أعظم ما قدر عليه من العلم ) أي : الدليل الموجب للعلم بأن التجلي الذاتي لا يوجب كشف الذات . ( والأمر كما قلناه وذهبنا إليه ) وإن ضعف هذا التمثيل ، ولم يوجب العلم اليقيني ، ( وقد بيّنا هذا ) أي : وجه دلالة هذا التمثيل ( في الفتوحات المكيّة ) ، وليست عندي حتى أبين ما ذكره فيها ، وإذا تعذر إقامة الدليل العقلي على ذلك فهو إنما يعرف بالذوق ، ( فإذا ذقت هذا ) أي : عرفت أنه التجلي الذاتي بالذوق ، وإن لم يتم فيه كشف الذات ( ذقت الغاية التي لا فوقها غاية ) في معرفة التجلي الذاتي الذي هو غاية الغايات ، وإن كان لا نرى فيه الذات لحجب صورة الرائي عن رؤية ( في حق المخلوق ) إذ الخالق لا يحجبه شيء عن شيء أصلا . وإذا كان هذا غاية الغايات ، ( فلا تطمع ) في تجلي الذات ، أن يحصل لك من غير كسب أعلى من هذه الروح ، ( ولا تتعب نفسك ) بطلب ( أن ترقى درجة أعلى من هذا الدرج ) « 2 » ، وهو أن يحصل لك تجلي الذات من غير حجاب ( فما هو ) أي : أعلى من هذا الدرج ، وهو التجلي الذاتي من غير حجاب ( ثمة ) « 3 » ، أي : في حق المخلوق ( أصلا ) ، وإنما هو شأن الخالق ، وقد ورد في حديث الرؤية : « أنه ليس بينهم وبين ربهم إلا رداء الكبرياء » « 4 » . ( وما بعده ) أي : بعد التجلي الذاتي المستلزم للحجاب الذي أقله حجب صورة الرائي الظاهرة في مرآة الذات عند الرؤية ( إلا العدم المحض ) ، إذ ما ذكرنا نهاية تجلي الوجود ، وما دونه من تجلي الأسماء أو الأفعال ، ولا ترقى إليها ، وإنما إليها النزول ، وإذا كان التجلي الذاتي مستلزما لرؤية صورة استعداد المتجلى له ، ( فهو ) أي : ذات الحق ( مرآتك في رؤيتك نفسك ) أي : في رؤيتك صورة لنفسك فاضت عليها من ربها بحسب أعمالها وأحوالها على ما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [ الكهف : 110 ] ، وهذه الشركة عبادة النفس ، ومن جملتها الرؤيا
--> ( 1 ) في نسخة : « وهذا » . ( 2 ) لأنّه فوق استعدادك المقيد ، فما هو ثمة أصلا : أي ليس الحق هناك ؛ بل إنه معك حيث أنت ، وأنت ما تتعدى استعدادك لا معه ؛ لأنّ الحق في نفس الأمر مع كل معتقد ؛ بل هو صورة كل معتقد واستعداد لا يتعدى عنه فأدرج نفسك ولا تتعب إنّك معه كما هو معك ، وإن لم يشعر بذلك . ( 3 ) في نسخة : « ثم » . ( 4 ) رواه البخاري ( 6 / 2710 ) ، مسلم ( 1 / 163 ) .