علي بن أحمد المهائمي

121

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الرائي ، فيصير حجابا عن رؤية المرآة ، وذلك لأن التجلي من الذات ( لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلى له ) ، وهو أن يشرق النور الذاتي على العين الثابتة من المتجلى له ، وعلى روحه وقلبه ؛ فليستنير بقدر استعداده ؛ فيصير صورة مقيدة باستعداد المتجلى له ، ثم تنعكس هذه الصورة إلى مرآة الحق فيحجب عن رؤية المرآة ( غير ذلك لا يكون ) ؛ إذ الرؤية للحق لا تكون بدون تجليه للرائي بإشراقه على عينه الثابتة ، أو روحه ، أو قلبه وإشراقه على كل شيء بقدر استعداده على ما يقدر ؛ ولكن ذلك لا يوجب رؤيته ما لم ير في أمر آخر ؛ فإن العين لا تبصر نفسها إلا في مرآة ، وأتم ما يكون ذلك في مرآة الذات ؛ فتنعكس الصورة من أحد هذه الثلاثة إلى مرآة الحق ، ( فإذن المتجلى له ما رأى ) في تجلي الذات ( سوى صورته ) التي فاضت عليه من الحق حال الرؤية ، انعكست منه إلى مرآة الحق ، ولا يمكن أنه يرى بصورة استعداد غيره ، وإن انعكست إلى مرآة الحق ، ما لم تحصل تلك الصورة في أحد الثلاثة من الرائي ؛ فهو إذن صورة استعداد الرائي ، وإذا رأى صورته ( في مرآة الحق ، ما رأى الحق ) الذي هو المرآة من حيث ذاته ؛ وذلك لأنه ( لا يمكن أن يراه ) أي : الحق من حيث ذاته ( مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه ) ؛ لأن رؤية الصورة في المرآة المعقولة يمنع من دونه المرآة ، ( كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة ) ، أي : صورة شيء ( فيها لا تراها ) أي : نفس المرآة ( مع علمك بأنك ما رأيت الصور ، أو صورتك إلا فيها ) فالمرآة من حيث هذا العلم متجلية ظاهرة ، ومن حيث ستر الصورة لها إياها باطنة ، وإذا كانت رؤية الصورة في المرآة مانعة من رؤية المرآة نفسها ، ( فأبرز اللّه ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ) رؤية الذات في الدار الآخرة أو الدنيا . كما قيل في حق نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم للتنبيه على أنها لا تكون إلا بانعكاس صورة استعداد المتجلى له في مرآة الحق ( ليعلم المتجلى له أنه ما رآه ) « 1 » حين تجلى له ، فهذا هو الحكمة في خلق المرايا في الشاهد ؛ لأنه ( ما ثمة ) أي : في الواقع ( مثال أقرب ) لحقيقة رؤية الذات ، ( ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا ) المثال . ثم بالغ في شأن كمال هذا المثال لما يتوهم بعض الجهّال من رؤية المرآة عند رؤية الصورة فيها ، فقال : ( واجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة ) من المحل الذي ترى فيه الصورة ( لا تراه البتة ) لحجب الصورة عن رؤيته كأنها

--> ( 1 ) أي الذي أراد أنّه لا هو لا غيره ، وما ثم مثال محسوس أقرب من حيث الأخذ والفهم ؛ أنّه قريب المآخذ والفهم ولا أشبه بالرؤية والمتجلي المعقولين من هذا المثل المحسوس فإنّك إذا رأيت الصورة الظاهرة في الجسم الصقيل وحققت رؤيتك ، فتجد تلك الصورة حالت بينك وبين إدراكك عين الجسم الصقيل ؛ الذي هو مجلاها فلا تراه أبدا ، والحق جلّى صور الممكنات فلم ير العالم إلا العالم في الحق ، فافهم .