علي بن أحمد المهائمي
120
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أبدا إلّا بصورة استعداد المتجلّى له ، غير ذلك لا يكون ، فإذا المتجلّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ ، وما رأى الحقّ ولا يمكن أن يراه مع علمه أنّه ما رأى صورته إلّا فيه كالمرآة في الشّاهد إذا رأيت الصّور فيها لا تراها مع علمك أنّك ما رأيت الصّور أو صورتك إلّا فيها ، فأبرز اللّه ذلك مثالا نصبه لتجلّيه الذّاتي ليعلم المتجلّى له أنّه ما رآه ، وما ثمّة مثال أقرب ولا أشبه بالرّؤية والتّجلّي من هذا . واجهد في نفسك عندما ترى الصّورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتّة حتّى أنّ بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أنّ الصّورة المرئيّة بين بصر الرّائي وبين المرآة ، وهذا أعظم ما قدر عليه من العلم ، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه ، وقد بيّنّا هذا في « الفتوحات المكيّة » ، وإذا ذقت هذا ذقت الغاية الّتي ليس فوقها غاية في حقّ المخلوق . فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدّرج فما هو ثمّ أصلا ، وما بعده إلّا العدم المحض ؛ فهو مرآتك في رؤيتك نفسك ، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها ، وليست سوى عينه ، فاختلط الأمر ، وانبهم فمنّا من جهل في علمه ، بل أعطاه العلم السّكوت كما أعطاه العجز ، وهذا هو أعلى عالم باللّه ، وليس هذا العلم إلّا لخاتم الرّسل ، وخاتم الأولياء ] . ( ثم ) أي : بعد الفراغ مما عرض من بحث المشبه به أي : كون العطايا عن سؤال أو عن غير سؤال ؛ ( نرجع إلى ) بحث ما كنا بصدده ، وهو المشبه أعني : تقسيم ( الأعطيات ) أي : الذاتية والأسمائية ( فنقول : الأعطيات إما ذاتية ، أو أسمائية ) . ثم أشار إلى أن الذاتيات أيضا من الأسماء ؛ فقال : ( وأما المنح ) أراد بها إعطاء المنافع وحدها ، ( والهبات ) أراد بها إعطاء الأعيان مع المنافع ، بحيث لا يطلب معه شكرا ، ولا عبادة ، ( والعطايا الذاتية ) أراد بها أعم من ذلك ، وإنما أورد ذلك يشير إلى أنها ليست على نهج واحد ، وقد مرّ ما يشير إلى ذلك من كونها على أيدي العباد ، وعلى غير أيديهم ، فيستدل بذلك على أنها ليست من الذات وحدها . ولذلك قال : ( فلا تكون إلا عن تجلّ إلهي ) أي : عن حضرة الأسماء ؛ لأن الذات من حيث هي غنية عن العالمين ؛ فلذلك لم يفسر العطايا الذاتية بما يكون بلا واسطة أصلا ؛ بل بما لا يكون عن واسطة اسم معين ، أو مما يغلب فيه نور الذات على الاسم . ثم استشعر سؤالا بأن من العطايا الجليلة تجلي الذات الإلهية في الدنيا والآخرة ، وقد اشتهر القول بذلك عن القوم والغنى الذاتي لا ينافي ذلك . فقال : ( والتجلي من الذات ) موجب لستر الذات بما يظهر في مرآتها من صورة