علي بن أحمد المهائمي
112
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
التقييد مع قرب الإشارة قوله : فيما بعد فإذا اقتضى الحال السؤال سأل ووجه التخصيص بهم أن سؤالهم لما كان بالعبودية ؛ فلابدّ أن يعلموا ما يتعبدون به في كل حال ( من يسأل لا للاستعجال ) لكونه من أهل التزكية والحضور ( ولا للإمكان ) أي : إمكان توقف المسؤول على السؤال ؛ لأنه وافق ما يقبله من استعداده ، ( وإنما يسأل امتثالا لأمر اللّه ) المخصوص بذلك الوقت باعتبار ما علم من استعداده الخاص أنه متعبد به في ذلك الوقت ، وذلك الأمر هو المذكور ( في قوله : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] ) . وإنما خصصناه مع عمومه لما يذكر بعد ( فهو العبد المحض ) « 1 » ، أما كونه عبدا ؛ فلأن الدعاء مخ العبادة ، وأما كونه محضا ؛ فلأنه ( ليس لهذا الداعي همّة متعلقة فيما يسأل فيه ) سواء كان مسؤولة ( من معيّن أو غير معيّن ) بخلاف من تقدم فإنه يقصد في المعين ذلك المعين من حيث هو ، وفي غيره إعانة مصلحة نفسه فهو عبد لذلك المعين ولمصالح نفسه ، وهذا ليس كذلك ؛ لأنه ( إنما همته ) في المعين وغيره ( في امتثال أوامر سيده ) ، وإنما جمع لأوامر ؛ ليشير إلى وجه تخصيص الأمر بالدعاء بوقت خاص إذ لا بدّ من ذلك عند ازدحام الأوامر الكثيرة ، ويعرف ذلك التخصيص من يعلم القبول من الاستعداد . فلذلك قال : ( فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية ) ، وإن علم حصوله باستعداده مع أنه لا قصد له في الحصول أيضا ، ( وإن اقتضى التفويض والسكوت ) عن السؤال ( سكت ) . [ فقد ابتلي أيّوب وغيره وما سألوا رفع ما ابتلاهم اللّه به ، ثمّ اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فسألوا فرفعه اللّه عنهم ، والتّعجيل بالمسؤول فيه والإبطاء للقدر المعيّن له عند اللّه ، فإذا وافق السّؤال الوقت أسرع بالإجابة وإذا تأخّر الوقت إمّا في الدّنيا وإمّا في الآخرة تأخّرت الإجابة ، أي المسؤول فيه لا الإجابة التي هي لبّيك من اللّه فافهم هذا ، وأمّا القسم الثّاني ، وهو قولنا : « ومنها ما لا يكون عن سؤال » فإنّما أريد بالسّؤال التّلفّظ به ، فإنّه في نفس الأمر لا بدّ من سؤال إمّا باللّفظ ، أو بالحال ، أو بالاستعداد ، كما أنّه لا يصحّ حمد مطلق قطّ إلّا في اللّفظ ، وأمّا في المعنى فلابد أن يقيّده الحال ؛ فالّذي يبعثك على حمد اللّه هو المقيّد لك باسم فعل أو باسم تنزيه ] . ثم أشار إلى دليل لتخصيص الأمر المطلق أقوى مما تقدم ، وهو وجوب متابعته للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم المأمور بمتابعة من تقدم من الأنبياء فيما لم ينسخ في شريعته عليه السّلام بقوله : ( فقد ابتلي أيوب وغيره ، وما سألوا رفع ما ابتلاهم اللّه به ) ؛ لأن حالهم اقتضى أولا السكوت عنه ؛ ليتحقق
--> ( 1 ) أي الخالص عن شوب الربوبية ، وليس لهذا الداعي همة داعية متعلقة فيما يسأل فيه من معين أو غير معين وإنما همته في امتثال أوامر سيده .