علي بن أحمد المهائمي
78
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
لما توهم مما سبق ، إن تعقل المنتشئ حادث لتأخره في الوجود عن المنتشئ منه ، دفع ذلك بأن الانتشاء ليس بمعنى الحدوث ؛ لامتناعه في ذات الحق وصفاته اللازمة ، والعلم منها ؛ لأن التجرد نسبة على ما بين في الحكمة ، وما يرى من الحدوث في صفاته اللاحقة باسمه الظاهر ، فحدوثه إنما الظهور بعد البطون في حق الوجود ، وبمعنى سبق العدم عليه في حق الأعيان الثابتة ، فليس تأخر تعقل البعد إلا بحسب الرتبة ، بمعنى التقدم الطبيعي ، وهو أن يكون المتأخر مفتقر إلى المتقدم ، ولا يكون المتقدم علة للمتأخر ، والصفات الإلهية غير معلولة بشيء ؛ لأن تأثير العلل إنما هو في الحوادث فكلها تعقلات أزلية أبدية على وتيرة واحدة لم يسبق الجهل بشيء منها ، بل حقائقها يترتب بعضها على بعض ترتبا طبيعيّا ، والعلم بالشيء إنما يتعلق به بحسب ما يقتضيه حقيقته ؛ ومن هنا نقول أن علم اللّه بالحوادث قديم ؛ لكنه يتعلق بها على حسب ما هي عليه ، فيعلم الماضي ماضيا ، والحال حالا ، والمستقبل مستقبلا من غير تغيير في علمه ، بل تعلقه الذي هو نسبة بين العلم والشيء لا وجود لها ، فلا محذور في اعتبارها ما في علمه تعالى ، فافهم . قال رضي اللّه عنه : [ ومقتضى حقائقها على نحوين : أحدهما تعقلها من حيث استهلاك كثرتها في وحدة الحق ، وهو تعقل المفصل في المجمل ، كمشاهدة العالم العاقل بعين العلم ، في النواة الواحدة ما فيها بالقوة من الأغصان والأوراق والثمر ، والذي في كل فرد من أفراد ذلك الثمرة مثل ما في النواة الأولى ، وهكذا إلى غير النهاية ] . لما كان تعلق العلم بالحقائق على حسب مقتضياتها ، فتارة يقتضي كونها على وتيرة واحدة وتارة كونها مترتبة ؛ لأن مقتضى حقائقها على نحوين بناء على أن كلا من الذات الأحدية والحقائق مرآة للآخر ؛ فالنحو الأول المبني على كون الذات مرآة للحقائق وهي فيه على وتيرة واحدة ، تعقل الحقائق من حيث استهلاك كثرتها في وحدة الحق ، أي عدم ظهورها وتميزها فيها التمييز الحقيقي ، مع كونها بالقوة ، وتفصيلها اعتباري بحسب ما يعود إليه آخر ، فهو شهود المفصل ، أي الذي يحصل له التفصيل في المجمل ، فالكل داخل في ذلك الكمال ؛ لكن الكمال الحاوي لتلك الحقائق لا يحصل إلا بظهور الوجود فيها ولها ، وسمة هي معدومة لا تظهر من حيث هي أبدا وأزلا ؛ لكنها مشهودة للحق شهودا علميّا لا عينيّا ، والأسماء تطلب الكمالين جميعا ، فالكثرة اعتبارية والوحدة حقيقية ، كما في النواة الشاملة على الشجر والأثمار ونواها وحدتها كالحقيقة ، وكثرتها فيها اعتبارية ، وإنما يرى