علي بن أحمد المهائمي

242

مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )

وكان شيخنا الإمام قدّس اللّه روحه يسمّي هذه التجليات : « التجليات الذاتية البرقية » ، وما كنت أعرف يومئذ سبب هذه التسمية ، ولا مراد الشيخ منها . ثم إن هذه التجليات الذاتية البرقية لا تحصل إلا لذي فراغ تام من سائر الأوصاف والأحوال والأحكام الوجوبية الأسمائية والإمكانية ، وهذا الفراغ فراغ مطلق ، لا يغاير إطلاق الحق ، غير أنه لا مكث له أكثر من نفس واحد ، ولهذا شبه بالبرق . وسبب عدم دوامه حكم جمعية الحقيقة الإنسانية ، وكما أن هذه الجمعية لا تقتضي دوامه ، كذلك لو لم يتضمن الجمعية الإنسانية هذا الوصف من الفراغ والإطلاق المستجلب لهذه التجليات ، لم تكن الجمعية الإنسانية مستوعبة كل وصف وحال ، فحكم الجمعية يثبته وينفي دوامه ، ووجدت لهذا التجلّي لما منحنيه اللّه أحكاما غريبة في باطني وظاهري ، من جملتها أنه مع عدم مكثه نفسين ، يبقى في المحل من الأوصاف والعلوم ما لا يحصره إلا اللّه ، وعرفت في ليلة كتابتي هذا الوارد أنه من لم يذق هذا المشهد لم يكن محلّا للورثة ، ولم يعرف سر قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه غير ربي « 1 » » . ولا سر قوله عليه السّلام : « كان اللّه ولا شيء معه « 2 » » . ولا سر قوله تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] ، ولا يعرف سر مبدئية الإيجاد لا في زمان موجود ، كما أنه من ذاق هذا المشهد وقد كان علم أن الأعيان الثابتة هي حقائق الموجودات ، وأنها غير مجعولة ، وحقيقة الحق منزّهة عن الجعل والتأثير ، وما ثم أمر ثالث غير الحق والأعيان فإنه يجب أن يعلم إن صح له ما ذكرنا أن لا أثر لشيء في شيء ، وأن الأشياء هي المؤثرة في أنفسها ، وأن المسمّاه عللا وأسبابا مؤثرة هي شروط في ظهور آثار الأشياء في أنفسها ، لا أن ثمة حقيقة تؤثر في حقيقة غيرها وهكذا ، فلتعرف الأمر في المدد ، فليس ثمة شيء يمد شيئا غيره ، بل المدد يصل من باطن الشيء إلى الظاهر ، والتجلّي النوري الوجودي يظهر ذلك ، فليس الإظهار بتأثير في حقيقة ما أظهره ، فالنسب هي المؤثرة بعضها في البعض ، بمعنى

--> ( 1 ) ذكره القاري في المصنوع ( 1 / 151 ) ، والمناوي في فيض القدير ( 4 / 6 ) . ( 2 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 4 / 104 ) ، وذكره ابن حجر في فتح الباري ( 6 / 289 ) .