علي بن أحمد المهائمي
199
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
ولذا لا يدرك الكثير بالواحد من حيث هو واحد على أنه لو أدرك الواحد بالكثير لا تنقش له صور بحسب أجزاء الكثير ، فيدرك كثيرا ، ولو أدرك الكثير بالواحد لتمثل في الواحد ، وهو محل لعدم اتساع الواحد لتمثل الكثير فيه . نعم يدرك الواحد بالكثير من جهة واحدة كونت الكثير بالوحدة من حيث شمول الواحد له بالقوة ؛ فلذلك قال رضي اللّه عنه : ( لا يدرك بسواه من حيث ما يغايره ) . وقال : ( من كونه واحدا ) ، ثم استشعر سواه ، لا بأنه لم يجز أن يدركه الإنسان من حيث وحدته ، فإن الكثير من حيث وحدته يجوز أن يدرك الواحد ؛ ولذلك قيد ثم المنع من حيث الكثرة ، فأجاب بأن إدراك الإنسان للحق ليس من جهة كونه واحدا وحدة حقيقية كوحدة الوجود ، فإنه ليس له ذلك ، سلمناه فلا ندركه إلا من حيث كثرته ، كالاتصاف بالوجود ، وفيه الكثرة من الماهية والوجود ، بل بشرط الحياة مع هذين إذ الميت لا يدرك شيئا بل بشرط رابع هو العلم ، وخامس هو المناسبة ، وسادس هو ارتفاع الموانع ، فإذا كان كذلك يقدر إدراك الإنسان من حيث هو إنسان لا كثرة فيه أصلا ، لما مر أن الكثير لا يدرك الكثير ، فلا يدرك من الحق ( إلا ) باعتبار صفاته أو مظاهره . فإن قيل : هذا يناقض ما مر من التجلي الذاتي له ، قلنا : ليس ذلك التجلي مع بقاء أنانيته بل مع صيرورتها مغلوبة تحت نور التجلي الأحدي « 1 » ، وغلبة الوحدة الوجودية عليه في تلك النفس ، وفي الإنسان أحدية إذا ظهرت وغلبت أدرك بها لا من حيث إنسانيته ، لكن الإنسان من حيث أحديته لا يدرك شيئا ، فإن أدرك فلا يبقى إنسانا موصوفا بالأحدية ، فافهم . قال رضي اللّه عنه : [ ثم نرجع إلى تمام ما كنا بسبيله ، فنقول : الوجود في حق الحق عين ذاته فيما عداه أمر زائد على حقيقته ، وحقيقة كل موجود عبارة عن نسبة تعينه في علم ربه أزلا ، ويسمى باصطلاح المحققين من أهل اللّه عينا ثابتة ، وباصطلاح غيرهم ماهية ، والمعلوم المعدوم والشيء الثابت ونحو ذلك ] . رجوع إلى تحقيق كون الحق هو الوجود ، لا أمر زائد على حقيقته يتقوم بذلك
--> ( 1 ) يعرف بالتجلي الأحدي الجمعي ، وهو التجلي الأول ، وسمي بالأحدي ؛ لأنه هو التجلي الذي باعتباره كان اللّه ولا شيء معه . وسمي بالجمعي لأنه شهود الذات ذاتها بجميع اعتباراتها .