علي بن أحمد المهائمي
143
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
وبين مطلق المطاوعة ، أي إنما إجابة مجرد الإرادة من خصائص كمال المطاوعة ؛ لأن العبد المتصف بها لما كان مرآة من حيث حقيقته لما يريده الحق منه بالإرادة الأولى الكلية المتعلقة بحصول كمال الجلاء والاستجلاء ، لا يكون له إرادة ممتازة عن إرادة الحق ، بل هذا العبد مرآة إرادة ربه ، ومرآة غيرها من الصفات ، وإرادته ظل إرادته عزّ وجل ، بل عينها بحسب الحقيقة ، فلا يحتاج إلى الدعاء ؛ لأنه حينئذ يستهلك دعاءه في إرادته ، وإرادته لا تغاير إرادة ربه ، فيقع ما يريد الرب الذي هو فعال لما يريد ، لا يختلف عن إرادته مراد ما بوجه من الوجوه ، إذ الوجود العام مطيع له بالطبع ، إطاعة أعضاء الإنسان له عند صحته وكمال قواه ، فهكذا ما هو مرآته لتنورها بنوره ، فيؤثر فيما يقابله تنوير الماء المتنور بالشمس ما يقابله من الحائط ، فيكون فعال لما يريد بربه لا بنفسه ، ثم ذكر ما هو أعلى منه ، وهو من تحقق بما ذكرناه من كمال الجلاء والاستجلاء ، وكان في مقام البقاء ، فلا يستهلك دعاءه ، فإنه يستجاب دعاؤه وإرادته جميعا ؛ لأنه إنما يدعو بألسنة العالمين الظاهرة وبمراتبهم التي هي أسئلة معنوية من سؤال الحال والاستعداد وغيرها ، وكل هذا ناشئ من كونه مرآة لجميعهم ، ودعاء الكل مقبول لا محالة ، وإن ترك الدعاء تجاب إرادته ؛ لأنه إنما يتركه من حيث كونه مجلى للحق ، والحق لا يكون داعيا ، فإنه من شأن العبد ، وهو تعالى أعلى من أن يصير عبدا ، كما أن العبد أخس من أن يصير ربّا ، وكونه مجلى للحق باعتبار أحد وجهيه ، وهو أن كل مقيد له وجه إلى وجه الإطلاق ، وقد كمل هذا الوجه في حق هذا العبد إذ كان مظهرا كاملا ، فلا يغايره من جهة كونه فعالا لما يريد ؛ لأن إرادته مرآة إرادة الحق ، فيكون مجاب الإرادة لا محالة . فافهم . قال : [ وليس وراء هذا المقام مرمى لرام ، ولا مرقى إلى مرتبة ولا مقام ، ودونه المتوجه إلى الحق بمعرفة تامة وتصور صحيح المقصود بخطاب : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، وخبر الحق صدق ، وقد تيسر ذلك لهذا العبد المشار إليه ، فلزمت النتيجة التي هي الإجابة ، ولا بدّ بخلاف غيره من المتوجهين المذكور شأنهم . فاعلم ذلك تفز بأسرار عزيزة وعلوم غريبة لم تنساق إليها الأفكار والأفهام ولا رقمتها الأنامل بالأقلام واللّه المرشد ] . أي : وليس وراء مقام التحقيق بما ذكرنا من كمال المطاوعة التي هي مرآة للعبد من