علي بن أحمد المهائمي

132

مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )

ووصف البرهان بالذوقي ؛ ليشعر بأن مقدماته وإن لم تكن محسوسة فهي محدوسة ، ولما كان في الحدس احتمال اشتباه ، وصفه بالمحقق ، ولما كان في المغالطات ما يشبه البرهان ، وصفه بالصحيح . وإنما بالغ هذه المبالغة في تشبيه القاعدة المذكورة بالميزان والبرهان ، لما ذكرنا من كثرة الداعين مع قلة الإجابة حتى توهم من ذلك أنه لا يمكن ضبط ما يفيد معرفة محل الإجابة . وإنما قال هنا : في معرفة متى يكون العبد من المطيعين لربه ، وقد قال : أولا في معرفة المطاوعة والإجابة الإلهيين ؛ لأن إطاعة العبد ملزومة لطاعة الحق ، والمطلوب إثبات اللازم ، فذكر أولا ما هو المطلوب ، وثانيا قدم ذكر وجود الملزوم ليدل على وجود اللازم ، ولم يفعل ذلك في الإجابة ؛ لأنها ليست ملزومة للمعرفة ، إذ قد يحصل بدونها عند الاضطرار ، فأبقاها على المنهج الأول وقيد الإجابة بكونها في عين ما يسأله ؛ لأن الإجابة المطلقة حاصلة لكل معين إما بالقول ، وهو لبيك عبدي ، وإما بالفعل مؤخرا ومفوضا عن المسؤول عنه في الحال ، أو مؤخرا وجعل سبب الإجابة صحة المعرفة ، وسبب المطاوعة الإلهية كمال مطاوعة العبد على اللف والنشر المشوش . وإنما جعل كذلك ؛ لأن مرتبة المطاوعة أعظم ، فقدمها أولا ، والإجابة بالنسبة إليها كالمفرد من المركب ، فقدمه ثانيا . ولما كان في العبارة هاهنا نوع اشتباه فصله ، فقال : فالأصح معرفة بالحق ، ولما كانت المعرفة تستعمل في التعقل غالبا ، فسرها بقوله : « والأصح تصورا له » ، وإنما أورد هما ؛ لئلا يتوهم من التصور أنه له تعالى صورة يتقيد فيها ، تكون الإجابة الإلهية في عين ما سأل فيه أسرع ، وذلك بأن يراه في كل شيء غير انحصار ، ولا حلول فيها ولا اتحاد بها ، والأتم مراقبة لأوامر الحق بأن ينظر على عباراته وإشاراته ، ويأخذ بالأحوط والعزائم منها ، والنواهي داخلة ؛ لأن المنهيات تركها مأمور ومبادرة إليها بالفعل كمال المطاوعة بأن يكون على الاجتهاد الكامل يكون مطاوعة الحق له أيضا أتم من مطاوعته سبحانه لغيره من العبيد ، سواء كانوا أعداءه ، فلم يكن الحق مطيعا لهم أصلا . قال رضي اللّه عنه : [ ولهذا كان مقتضى حال الأكابر من أهل اللّه أن أكثر أدعيتهم مستجابة