عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

85

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

المحققين الكمل فلا يغرك قول من قال : إن النزول بالحق عن الحق إلى الخلق أكمل حال إنما ذلك بعد تحقيق الكمال صورة ومعنى بالتصرف والتمكين في سائر الصفات والأفعال ، فمن نزل عن الحق إلى الخلق لطلب الأكملية قبل تمكينه من المكانة القطبية إنما هو مخذول مخدوع ومصرف عن المرتبة الألوهية ، وموضع الخداع والمكر تسليه عن الحق بالحق في الخلق ليحط رحاله في المرتبة الكونية من غير علم له بهذه النكتة المخدعية ، لأنه كلما رجع رأى نفسه منطلقا في المكانة الحقية غير مقيد بالتقييدات الخلقية وفاته العلم بأنه ليس كذلك إلا بعد الصعود إلى هناك ، فهو صاحب الشراب الممزوج الزنجبيلي المأخوذ من العين السلسبيلي الذي جعلت فيه قطرة من بحر الشراب الكافوري الذي هو شراب عباد اللّه صرفا في الخلد الحقيقي من تحقق تخلق وتحقق ومن تخلق تمزق في الحق وما تخلق ، كل من فرط حروفه فقط ففهمه غلط . اسقني الصهبا صرفا أحمرا * ودع المزج لغيري أصفرا وامل كاسات المعاني كلها * أنا في شربي لها لن أسكرا لا تخف عربدة مني فما * أن من يوهيه أمرا مصدرا أنا من يطلبني أهل الهوى * في دجى الوجد فأبدو منذرا خمرتي ذاتي وكأسي وصفها * أبدا غير شرابي لا أرى لا أراني اللّه غيري أبدا * لا أراني لا أراني لا أرى كن محمدي المشهد أحدي المحتد حيث قال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، جعل فعله عين فعله وجعله غير جعله إلى أن ترقى إلى ما أبرزه لأجله وأظهره من كماله بقوله لعبده الكامل الأواه إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] لما اتحدت الأفعال اتحدت الصفات ، ولما اتحدت الصفات اتحدت الذات ظهرت الأفعال والانفعالات وإلى ذلك المعنى أشار بقوله اللّه الرحمن الرحيم في كتابه عن كلامه القديم إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) [ الحاقة : 40 ] لما أضاف محمد في الأول فعله إلى اللّه أضاف اللّه إليه فعله في الآخرة فكان صلى اللّه عليه وسلم الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] إذ هو العليم الولي المجيد القادر والعظيم القوي المريد القاهر ، فاغترف بالسعادة من بحر الأحدية واتبع آثاره في منهج الكمالات الإلهية لتفوز بالمكانة القطبية وتنفرد بالغوثية الفردية وتدخل في طرف حاشية من حواشي تمكين الروح المحمدية عليه الصلاة والسلام ما دامت الموجودات الحقيقية وآله وصحبه خير البرية .