عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

75

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

الأسودين التمر والماء ، وصفاته الظاهرة أعلى من أن تخفى على أحد ، فلنكتف بهذا القدر واللّه المستعان . القسم الثالث : في أقواله المفصحة عن مليح أحواله صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا القسم أيضا لا يحتاج إلى تطويل إذ جميع كتب الإسلام مشحونة من تلك الأقوال الشريفة ، وناهيك بعظم مكان قوله حيث قال اللّه تعالى في القرآن عن القرآن الذي هو كلام اللّه تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [ التكوير : 19 ] ، وذلك لأنه صلى اللّه عليه وسلم الناطق به عندهم ، وقد صحّ أن كلامه من كلام ربه . وقال اللّه عنه : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 ، 4 ] فانظر إلى أي كلمة شئت من حديثه صلى اللّه عليه وسلم تجد فيها مجامع المحاسن من كل جهة ، وبكلّ حقيقة ؛ إذ هداية الخلق مقرونة بأقواله ، فلم يدع خيرا إلا وقد هدى الأنام إليه ، ولا ترك فضيلة إلا وقد نبّه عليها . ولهذا جعله اللّه خاتم الأنبياء والمرسلين ؛ لأنه قد أحاط بالتنبيه على كل دقيقة وحقيقة وأوضح بنوره كل طريقة ، فلم يحتج الكون إلى مرشد سواه صلى اللّه عليه وسلم . الباب الرابع في تمييز قابليته صلى اللّه عليه وسلم من قابلية كل موجود سواه وبيان نسبة قطرات الوجود من بحر علاه اعلم أيّدنا اللّه وإيّاك أن الفيض الإلهي إنما يكون على قدر القوابل ، أما ترى الشمس تظهر في المرآة بشعاعها حتى لا يكاد الشخص أن يستطيع النظر إلى المرآة ، وتظهر في بقية الجمادات بغير هذا المظهر ، وكذلك إذا نظرت في المرآة المعتدلة الهيئة ؛ ظهر وجهك فيها على ما هو عليه ، وإذا نظرت في مرآة مستطيلة ؛ ظهر وجهك فيها طويلا ، وفي العريضة عريضا ، وفي الصغيرة صغيرا ، وفي الكبيرة كبيرا . فعلم بذلك أن الفيض على قدر القابلية ؛ لأن اللّه تعالى حكيم لا يضع الأشياء إلا في مواضعها ، وقد ذكرنا فيما مضى تفصيل القابلية ، فظهور الحق تعالى في المخلوقات على قدر قوابلهم ؛ بل ظهوره في أسمائه وصفاته على حسب ما تقتضيه قوابلها ؛ إذ ليس ظهوره