عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
76
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
في اسمه المنعم كظهوره في اسمه المنتقم ، وليس ظهوره في النعمة كظهوره في النقمة ، فالظاهر واحد ، والظهور مختلف لاختلاف المظاهر . وقد علمت بما مضى أن ظهور الحق في المظاهر بقدر القوابل ، وأن قوابل الأشياء تتعلق بمحاتدها التي ظهرت منها ، فالنعمة مخلوقة والنقمة مخلوقة فهما مظهران مخلوقان ، فمحتد النعمة اسم ، ومحتد النقمة اسم المنتقم ، والمنعم والمنتقم اسمان إلهيان ، فهما مظهران قديمان ؛ لأن صفات اللّه قائمة بذاته . وقد شرحنا لك فيما سبق أن كل شيء في العالم إنما هو أثر أسمائه وصفاته ، فكل فرد من أفراد العالم له محتد من أسماء الحق تعالى وصفاته ، وقد عرفناك في أوائل الكتاب أن الأنبياء صلوات اللّه عليهم خلقوا من أسمائه الذاتية فهي محاتدهم ، والأولياء خلقوا من أسمائه الصفاتية فهي محاتدهم ، وبقية الموجودات مخلوقة من أسمائه الفعلية ، فهي محاتدهم ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مخلوق من ذاته فمحتده الذات . ولهذا كان ظهور الحق تعالى عليه بالذات ألا تراه انفرد دون غيره بجميع الكمالات ؛ لأن الصفات ترجع إلى الذات ولهذا نسخ دينه سائر الأديان ؛ لأن الصفات لا تشهد بعد بروز الذات ؛ بل يبقى علمها ولأجل ذلك بقيت نبوة الأنبياء على حالها ، وما انتسخ إلا أديانهم ، فنسبة القابلية المحمّدية كنسبة البحر ، ونسبة قوابل الأنبياء والأولياء رضوان اللّه عليهم أجمعين كالجداول والأنهار ، ونسبة بقية العالم كالقطرات من ذلك البحر ؛ وسبب ذلك أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم مجموع العالم ؛ لأن روحه العقل الأول كما شرحناه لك فيما مضى . وقد علمت أن العالم كله مخلوق منه صلى اللّه عليه وسلم ، فقابليته وحده بقوابل سائر الموجودات ، فهو المستفيض الأول والمفيض الثاني ؛ لأن الفيض الأقدس الذاتي « 1 » متوجّه إليه بالتوجّه الأول
--> ( 1 ) قال الشيخ العطار في شرح الصلاة الكبرى : ( الفيض الأقدس الذاتي ) : أي التجلّي الأقدس عن شوائب الكثرة الذي لم يكن فيه تميز حكم اسم على آخر ، ولا تفصل ولا غلبة ، ولا يحكم فيه على الذات حاكم بطلبه منها ، وهذا معنى كونه ذاتيّا ، فإن الحق تعالى لما تجلّى لذاته بذاته بواسطة الحب الذاتي كان الحاصل لهذا التجلّي هو الحقيقة المحمدية ، فليس وراء حقيقته إلا الذات الأقدس ، وكانت حقيقته جميلة كلية ، باطن كل اسم إلهيّ ، وحقيقة كونية من غير تميز ، وهذا معنى التجلّي ، بل تجلى فيه لذاته بذاته كما قررنا ، ولم يكن قبله تجلّ أصلا ، لكن لا بدّ من اعتبار شيء مع الذات المعبر عنه -