عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

74

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

وقال له جبريل : أمرت أن أجعل لك جبال الأرض ذهبا فأبى صلى اللّه عليه وسلم واختار الفقر نصيبا ، وأوتي بمال البحرين ذهبا وقيل له : إنه كان يغرق فيه الرمح فصبّه بين يديه وفرّقه جميعه ، ولم يحمل منه إلى بيته شيئا ولبيته نيف من شهرين لا يوقد فيه نار لطعام ، بل كان على

--> - ولما كان صلى اللّه عليه وسلم بحقيقته العلمية الكونية وبقلبه الطاهر الظاهر الشريف جامعا لكل حقيقة كونية ، كما أن حقيقته أيضا جامعة لكل حقيقة إلهية كما تقدّم ، كانت كل الفيوضات الإلهية الممدة للكل من الأسماء والحقائق الكونية نازلة فيه أولا ، ومستودعة عنده على طريق الأمانة ؛ إذ لكل فيض صاحب يأخذه من هذه الخزائن بواسطته صلى اللّه عليه وسلم ، وإن كان له وجه خاص إلى الحق تعالى يستمد به منه ؛ إذ الكل طالب مفتقر من سيده وربه ، ونزولها عليه صلى اللّه عليه وسلم ووديعتها عنده يكون بالباطن والظاهر كما أشرنا إليه ، أما في الباطن فباعتبار تعينه الأول وكون كل شيء مفصلا منه ، وأما بالظاهر فباعتبار مظهره الظاهر فيه تعالى ، وهو قلبه الشريف ، وكون الظاهر مظهرا للباطن ، فهو الأمين ظاهرا وباطنا ، سواء كان ظهوره حسيّا أو غيبيّا ككونه القلم الأعلى والروح الكلي ، فهو الأمين على خزائن الفواضل في كل حال ؛ لنزولها إليه جملة ؛ إذ الإجمال قبل التفصيل . فإن قلت : قبل ظهور جسده الشريف وبعد انتقاله من دار إلى دار ، من يكون الأمين ؟ قلت : أما من سبقه حسّا فهو مظهر من مظاهر حقيقته ، وكذا من كان بعده ممن هو أهل للجمعية ، فهو أيضا مظهر لها ، والظاهر عين المظهر من وجه ، فما أمين إلا هو . فإن قلت : هذا تناسخ وهو باطل عند أهل الحق . قلت : نعم ، لكن في غير هذا المظهر الكلي ، وقد أشار إليه الشيخ عبد القادر الجيلي من قوله : كنت مع آدم وإبراهيم وهكذا . فإن قلت : وهل صرّح بالتناسخ غيرك ؟ قلت : الكتب في هذا الفن السند ، وإنما كان صلى اللّه عليه وسلم هو محل الفيوضات الإلهية ؛ لأنه هو الذي وسع الحق بقلبه ، كما قال تعالى في الحديث القدسي : « ما وسعني أرضي ولا سمائي إنما وسعني قلب عبدي المؤمن » ، فكان القلب يسع الفيوضات ضرورة ، ولا تظن أن القلب هو هذا الصنوبري ، بل هو اللطيفة التي تكون مظهرا لكل الأسماء . ومن المعلوم أن الفيوضات من الأسماء ، وهو صلى اللّه عليه وسلم باسمه جامع لها ، كما قال رضي الله عنه : أمين اللّه ، فعبر بالاسم الجامع ، ومتى تحققت أنه أصل الكلي والكل مندرج فيه علمت أنه مستودع فيه كل حقيقة ، وما لها من الفيض ؛ إذ الذات البحت لا تفعل إلا بأسمائها ونسبها ؛ لأنها غنية عن العالمين ، ولو فعلت بالذات لزم ما لزم ، واللّه أعلم وهو الموفق .