عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
68
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
--> - دون المتصف مبالغة في نيله الذي يقال فيه : إنه بمعنى فاعل ، فهو صلى اللّه عليه وسلم الرحيم بما يظهر من أثر رحمته أولا في أهل بيته صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : « سألت اللّه ألا يدخل أحدا من أهل بيتي النّار فأعطاني » ، ثم في ذوي رحمه قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما بال قوم يزعمون أن رحمي لا تنفع ، أما واللّه إنها لتنفع في الدنيا والآخرة » . ثم في ذراري أصحابه وأنصاره الذين قضوا ما عليهم وبقي ما لهم فأقر اللّه عيونهم في ذراريهم . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ذرية المؤمن معه في الجنّة ؛ ليقرّ اللّه بذلك عينه » . كما قال تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الطور : 21 ] . إلى ما ورد في ترتب منال الأمة في شفاعته كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « أوّل من أشفع له يوم القيامة من أمّتي أهل بيتي ، ثم الأقرب فالأقرب ، ثم الأنصار ، ثم من آمن بي واتّبعني ، ثم اليمن ثم سائر العرب ، ثم سائر الأعاجم ومن أشفع له أولا أفضل » ، فبركة رحمته نائلة في عقبى الأمور ، كما أن عناية نائله في أوائل الأمور ، ولكون الرأفة ابتداء لام صيغتها أن تكون على فعول لما في الواو من العلوّ المبنيّ على الاستيلاء والأخذ بقوة حماية وحفيظة ، ولما في الياء من الإنباء عن التعطّف والتنزّل لأمته أن يكون في الرحمة على صيغة فعيل ؛ لأنها تنال بالتنزل من شأن غير الرحيم أن يتجافى عنه ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « شفاعتي للجبابرة من أمّتي وشفاء لأهل الكبائر من أمّتي » . وبالجملة فهو عبد اللّه ورحمته من رحمة اللّه ، يسابق في أمته الانتقام فيسبقه ويغالبه فيغلبه ، ثم في جميع العالمين كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] ، بما هو تعالى وسع كل شيء رحمة وعلما ، فهو صلى اللّه عليه وسلم رحمة للعالمين ، كما أن كتابه في الرتبة العليا ذكر له كما قال تعالى : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [ الشرح : 4 ] . ثم هو ذكر لقومه كما قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] ، ثم هو ذكر للعالمين كما قال تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [ يوسف : 104 ] ، فهو من حيث الخلق رحمة للعالمين ، ومن حيث الأمر ذكر للعالمين على تدريج وترتيب ، الأول فالأول في متسع الأمد إلى أبد الأبد . كما قال صلى اللّه عليه وسلم في ذرية الأنصار حيث قال صلى اللّه عليه وسلم لما وقع واقع في سعد بن معاذ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تؤذوا الأنصار ، من أحبّهم فقد أحبّني ، ومن بغضهم فقد بغضني ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن قضى لهم حاجة كنت في حاجته أسرع يوم القيامة » . فقال عمر : يا رسول اللّه ، هذا لسعد خاصّة أم للأنصار عامة ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « للأنصار ولأعقاب أعقابهم أبد الأبد » . فلم يزل صلى اللّه عليه وسلم رحيما ورحمة للعالمين إلى ما قال من أبد الأبد الذي لا يبقى معه باقية من أثر غضب ، حيث تغلب رحمة اللّه غضبه ، وتسبق رحمته غضبه ، واللّه أرحم الراحمين .