عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
61
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
--> - جمع اللّه فيه متفرقها وأكمل ناقصها فصار مجمعا للخصال الحميدة الخارجة للوجود كلها مكملا لنقصها ومتمما لما بقي من ذواتها وأعدادها بحيث لم يخرج منها ومن كمالها شيء للوجود الخارجي إلا وهو فيه صلى اللّه عليه وسلم ، ومجتمع في ذاته الكريمة خصوصية له عليه السّلام ، وكرامة له من ربه تعالى ، فكما حاز ظاهره الشريف الجمال كله على أتم ما ينبغي وأكمل ما يكون وأعلى ما خرج للوجود كذلك حاز باطنه الكريم الكمال كله والأخلاق الشريفة بأجمعها جملة وتفصيلا على أتم ما ينبغي وأكمل ما يكون وأعلى ما خرج للوجود فهو أجمل من كل جميل وأكمل من كل كامل فلما كانت المحاسن الظاهرة أعلاما على الأخلاق الباطنة . واختص صلى اللّه عليه وسلم من جمال الصورة الظاهرة بما لم يشاركه فيه بشر ولا مخلوق كان ذلك آية باهرة وحجة ظاهرة على اتصاف نفسه من الأخلاق الحميدة بما لم يشاركه فيه مخلوق ولا بشر أيّا كان . وقد وسعت أخلاقه كلها ومحاسنه بأجمعها أفراد أصناف بني آدم بل أنواع أجناس مخلوقات العالم بأسره ولذا بعث إلى الكل وكان القدرة العظمى لجميع الخلق في كل علم وكل حكم وكل حكمة وكل خلق حسن وأمر مستحسن وكل كمال على الإطلاق . وقال الشيخ أبو الحسن الحرالى : لما كان عرفان قلبه عليه السّلام بربه عزّ وجلّ كما قال : « بربى عرفت كل شيء » كانت أخلاقه أعظم خلق ، فلذلك بعثه اللّه إلى الناس كلهم ، فكل من كان اللّه ربه فمحمد صلى اللّه عليه وسلم رسوله ، فكما أن الربوبية تعم جميع العالمين فالخلق المحمدي يشمل جميع العالمين انتهى . ومن هذا يستفاد عجز جميع الخلق عن شرح خلقه صلى اللّه عليه وسلم ويتضح معنى قوله : « لا يعرفني حقيقة غير ربى » ثم هذه الأخلاق العظيمة بالنظر لأصولها جبلية جبل صلى اللّه عليه وسلم عليها في أصل خلقته وأول نشأته لم تحصل له باكتساب ولا رياضة إلا بجود إلهي وخصوصية ربانية كما أن إخوانه من النبيين والمرسلين كذلك ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم تحقق ذلك ، وأما كمالها وتمامها فيه صلى اللّه عليه وسلم فهو مكتسب من القرآن لتأدبه بآدابه وتخلقه بمحاسنه وأخلاقه والتزامه لأوامره وزواجره في أحواله وأموره كلها ظاهرا وباطنا قولا وفعلا لكن اكتسابا كأنه جبلى لا جذاب نفسه الشريفة إلى ذلك الكمال وطلبها لتحصيله فاعلم ذلك . هذا وقد أورد السهروردي في عوارفه قول عائشة السابق ، ثم قال بعد كلام ما نصه : ولا يبعد واللّه أعلم أن قول عائشة رضي اللّه عنها : « كان خلقه القرآن » فيه رمز غامض وإيماء خفي إلى الأخلاق الربانية ، فاحتشمت من الحضرة الإلهية أن تقول : كان متخلقا بأخلاق اللّه تعالى ، فعبرت عن ذلك المعنى بقولها : كان خلقه القرآن ) ؛ استحياء من سبحات الجلال ، وسترا للحال بلطيف المقال -