عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

60

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

--> - رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه . وأخرج ابن مردويه عن عبد اللّه بن شقيق العقيلي قال : أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : كان أحسن الناس خلقا كان خلقه القرآن . تشير كما قاله غير واحد إلى المعنى الذي ذكرناه وتومئ بطرف خفي إلى ما أسلفناه ، ومنه يعلم أن كمالات خلقه عليه السّلام وأوصافه الجميلة ونعوته الجليلة لا تتقاضى ولا تتناهى كما أن معاني القرآن كذلك وأن التعرض لحصر جزئياتها غير مقدور للبشر وقيل أنها أشارت إلى أن جميع ما فصل في كتاب اللّه تعالى من مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب مما قصه عن نبي أو ولي أو حث عليه أو ندب الخلق إليه فإن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان متخلقا به وفاعلا له وأن جميع ما نهى عنه فيه أو ذم أو أشير إلى ذمه فإن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان تاركا له ولا يحوم حوله وهو معنى قول من قال : وصفه الحق بالخلق العظيم لاجتماع مكارم الأخلاق فيه ، وقول الأخر وصفه بآداب القرآن والآخر وصفه اللّه وقيل : وصفه بذلك لأنه عرض عليه مفاتيح الأرض فلم يقبلها ورقاه ليلة المعراج وأراه جميع الملكوت فلم يلتفت إليه كما قال اللّه ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] فلم تكن له كما قال الجنيد : همة سوى اللّه . وقال الواسطي : إنما كان خلقه عظيما لأنه جاد بالكونين ، واكتفى باللّه عز وجل . وقال الحسين بن منصور : لأنه لم يؤثر فيه جفاء الخلق بعد مطالعة الحق وقيل : لأنه صغرت الأكوان في عينه بمشاهدة تكونها وقيل : لأنه عاشر الخلق بخلقه وباينهم بقلبه ، ولذا قيل التصوف : حسن الخلق مع الخلق والصدق مع الحق وقيل : لأنه احتمل في اللّه البلاء وما شكى بل رحم وعفا ، وقيل : لأنه كان لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته باللّه عز وجل وقيل غير هذا مما كله صحيح في جنابه عليه السّلام وينطبق عليه الانطباق التام وقد ورد : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » . وفي رواية : صالح الأخلاق ، وفي أخرى : حسن الأخلاق ، أخرجه ابن سعد في « طبقاته » وأحمد ، والبخاري في « الأدب المفرد » والخرائطي في « مكارم الأخلاق » ، والحاكم في « المستدرك » ، والبيهقي في « الشعب » . وفي السنن عن أبي هريرة ، وابن سعد عن مالك بلاغا ومعناه أن مكارم الأخلاق ومحاسنها من علم وحلم وحياء وتواضع وحسن عشرة وعفو وصفح واحتمال وسخاء وصبر وشكر وعدل وزهد وشجاعة ومروءة وصمت ووقار وتؤدة ومحبة وأمانة وعبادة ورجاء وخوف وشفقة وعفة وغير ذلك كانت قبل وجوده عليه السّلام متفرقة في العالم كل واحد منهم حاز منها القدر اللائق به والنصيب المناسب لحاله ومقامه وبعد كونها كانت متفرقة فيهم كانت ناقصة الكم وناقصة الكيف فلما وجد عليه السّلام وبعث -