عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

99

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

سائر أعضائه الجسمانية - على حسب ما كان لروحه وقلبه - فيكون جسمه روحا ، وقلبه عقلا ، بالعين والحكم والوجود جملة وتفصيلا . وهذا معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه ، فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » « 1 » . . فافهم ! وما بعد هذا المنزل ، إلا العجز والحيرة في التجليات التي لا نهاية لها . وهذا العجز ، عين الكمال والقدرة . وهذه الحيرة ، عين الثبوت . ونهاية ما يعبّر به عن هذه الحيرة وهذا العجز ، بأن يقال : إنه يجد كمالاته الإلهية ، التي هي له ، على ما هي عليه من عدم النهاية التي يعجز العلم عن الإحاطة بها ، من حيث أنها لا نهاية لها . فبالنظر إلى هذا العجز ، قال عليه الصلاة والسلام : « لا أحصي ثناء عليك . . » « 2 » وبالنظر إلى ما هو من كمال الصفة العلمية له تعالى ، قال : « أنت كما أثنيت على نفسك » « 2 » . ولتحقّق روح الإنسان الكامل بالحقائق الإلهية ، قال : آثاره مشهودة . يعني : آثار الإنسان الكامل مرئية بالعين ، لأنه يحيي الموتى ، ويميت من شاء من الأحياء ، وينبئ الناس إذا شاء بأسمائهم وأفعالهم وبما يأكلون وما يدّخرون إلى يوم القيامة . كلماته محدودة . يعني : أنه يقف بالكلام على حدّ الشريعة ، فلا يخرج منه بلسان القدرة ، عن سياج الحكمة ، بل يؤدي حقّ العبودية بظاهره ، كما أدّى حقّ الربوبية بباطنه . وآياته بالنظر مقصودة . يعني : أنه في نفسه لنفسه ، يتجلّى متى شاء بما شاء فيما شاء . فكنّى بالآيات عن التجليات الإلهية ، بحكم الأسماء والصفات ؛ يقصد منها : الظهور بما شاء ، والبطون بما شاء . وإلى تحقيق ذلك أشار بقوله : أعطي مقاليد البيان ، فأفصح وأبان . يعني : أنه أوتي التمكين بالبيان - أي بالظهور - فأفصح ، وأظهر كلماته . « وأبان » عن المعاني بإرادة ذاته . وسوف أنبّهك على علم شريف قد رمزه الشيخ في ذلك من وجه ، وصرّح به من وجه . وهو أن جميع ما شرحناه لك في صفة هذه الروح الشريفة ، من أطوار المعاني المذكورة هنا ؛ إنما هو من حيث كون الإنسان حرفا من حروف أحد الأنواع الثمانية المذكورة في تقسيم الحروف . فاعتبر مثل جميع هذه المعاني المذكورة

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .