عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

100

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

وكمالها ، لكل حرف من حروف كل نوع من الأنواع الثمانية ؛ لأن الحروف « وطاء » أي محل ظهور الأسرار الإلهية . والحروف كلها مرائي يظهر فيها معنى السرّ الإلهي ، لكن له في كل طور حكم مخصوص ومشهد منصوص وأثر منفرد ، وينسبه تحقّقه ، على أسلوب عجيب ونمط غريب ، لو أردنا أن نتكلم في ذلك ، لاحتجنا إلى مجلدات . ولكن تفطّن ذلك وتدبّره ، فكلما قلنا لك « إن الأعيان الثابتة حروف ، وكان النوع الإنساني من جملتها » فهو بالنسبة إلى بقية الحروف ألف . فاعتبر ذلك المعنى لكل ألف من أنواع الحروف الثمانية ؛ كالعقل الذي هو ألف الحروف الروحية ، فإنه يجمع العلوم والخصوصيات كلها ، كما يجمع الإنسان الكامل . وكالألف الرقميّ ، فإنه يجمع المعاني المودعة في الحروف كلها ، كما يجمّل جميع الملفوظات ويوصلها إلى من أمره اللّه به . فاعتبر هذا المعنى ، في كل قسم من هذه الأقسام الثمانية ، بما يناسب ذلك العالم ، ترى عجائب وغرائب من أسرار اللّه تعالى ، فقد فتحت لك بابا إليها . واستعن في تحقيق ذلك ، بما ذكره الشيخ في الباب الثاني من الكتاب ، عند ذكره مراتب الحروف اللفظية وعوالمها وأطوارها وخواصها وما أودع اللّه تعالى فيها من العجائب والغرائب ، مما يطول شرحه . وسوف أنبّهك في الأبيات المذكورة هنا ، على ما يعينك على معرفة ذلك ، إن شاء اللّه تعالى . قال الشيخ : فمنه نثر ، ومنه نظم ، ومنه أمر ، ومنه حكم . إن للتجليات الحقيقية ، التي هي للإنسان الكامل ، نثر تجليات ذاتية منفردة ، غير متعدّد ، ليس لكل تجلّ إلا اسم واحد . ومنه نظم تجليات صفاتية ، يجمع كلّ تجلّ أسماء متعدّدة وصفات متغايرة ؛ كتجلي القدرة - مثلا - يجمع جميع تجليات الأفعال ، وكذلك تجلي الإرادة ، وكذلك تجلي العلم ، وكذلك تجلي الجمال ، وكذلك تجلي الجلال وتجلي الكمال ، إلى غير ذلك من تجليات الصفات والأسماء التي لها الهيمنة على ما تحتها . ولهذا قال « فمنه أمر » أي ، مما يصدر من تجلياته ، أمر بوجود أو تكوين ، أو غير ذلك من أوامر الحق تعالى على عباده . « ومنه حكم » نافذ لا يتغيّر في العالم ، لأنه الحقّ المتعيّن ؛ هذا معناه . ولما كان ذلك للإنسان ، الذي هو حرف من الحروف العاليات ؛ كذلك هو للألف الذي هو حرف من الحروف الحقيقية أو الروحية أو المعنوية أو الصورية أو اللفظية أو الرقمية أو الخيالية . ألا تراه يقول : « فمنه نثر ، ومنه نظم » إن اعتبرته في الحروف اللفظية ، وجدت الأمر كذلك ، « ومنه أمر ومنه حكم » كلفظة أفعل ؛ وهذه حروف مركبة . ولفظة قول وفعل ، وغير ذلك ، كلها أمر ؛ وكلّ منها حرف واحد غير