عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

98

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

ومن هذا المنزل ، يسافر إلى الطور الثالث - وهو طور السذاجة المحضة الذاتية الصرفة - فيقبل بحقيقته وهيئته ، التصوّر بكلّ صورة من صور التجليات ، ومعنى من معاني الأسماء والصفات ، وبكلّ هيئة وحالة وشكل وحكم من سائر الموجودات . فيكون عين كل شيء ، على ما هو عليه ذلك الشيء . ويكون متصوّرا في نفسه بصورة ذلك الشيء ، يرى نفسه فيه بنفسه ، على التفصيل ؛ جمعا وفرادى ، ظاهرا وباطنا ، حقّا وخلقا ، كونا وبونا . ومن هذا المنزل ، يسافر إلى الطور الرابع . فيعطى مفاتيح الغيب ، وهي الأسماء التي أظهرت صور الكائنات من الغيب إلى الشهادة . فهي مفاتيح لأقفال خزائن الغيوب ، وهي أسماء الأفعال التي كانت المؤثّرة في ظهور عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، ويسميها الشيخ : المفاتيح الثواني . وفي هذا الطور ، يسبح في فلك الأسماء والصفات - في كل اسم وصفة على حدته - حتى يعلم مقتضياتها ، على ما هي عليه في محلها . ومن هذا المنزل ، يسافر إلى الطور الخامس . فيعطى مفاتيح غيب الغيب - وهي أمهات الأسماء ، وأئمة الصفات - فيصرفها بالذات ، ويتحقّق بها صورة ومعنى في جميع الأوقات . ومن وصل إلى هذا الطور ، لا يتوارى عنه مشهوده بحال أصلا ، ولا يجوز عليه الاستتار قطعا . وهذه الأسماء ، هي التي يسميها الإمام رضي اللّه عنه بالمفاتيح الأوّل ؛ فيتحقّق العبد بالاتصاف بها . ومن هذا المنزل ، يسافر إلى الطور السادس ؛ فيستكمل التحقّق بالأسماء الذاتية والنعوت الصفاتية والأوصاف الفعلية ، ويتعيّن في الظهور بها جملة وتفصيلا . وفي هذا المنزل يتدرّع بالهيبة ، ويتوّج بالعظمة ؛ فتكون له . فلو نظر - بنظر نفسه البشرية الإنسانية - إلى جبل بالقهر ، لتدكدك من هيبته ، وتلاشى لعظمته . فكيف له لو رأى ذلك بحقيقة الإلهية . هيهات أنّى يسع الكون ذلك ! بل لا يتجلّى عظمته - كما هو له - إلا عنده ، وفي علمه . ولهذا قال اللّه تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : 91 ] يعني : كلّ ما سواه لا يستطيع أن يقدّره ، فيعظّمه بذاته لذاته ؛ لأن الكون وجود مقيّد ، فلا يستطيع لشيء من ذلك . فلو لمحت بارقة من عظمة جلال اللّه تعالى على الأكوان ، لأعدمتها بالعين والحكم جملة وتفصيلا . ومن هذا المنزل ، يسافر إلى الطور السابع ، المعبّر عنه بنزول الحق في الثلث الأخير من الليل إلى سماء الدنيا . وعندها يطلع الفجر ، وتظهر شمس الكمال على