عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

95

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

الإلهية . « كثير الاستكانة » إلى ما هو له من ذلك الجناب . « علم في رأسه نار » أي : هي علم على الذات الإلهية . « في رأسه النار » الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، المعبّر عنها بالجلال والعظمة والقهر والكبرياء ، فهي الرياسة الإلهية التي هي آخر شيء يخرج من رؤوس الصّدّيقين ، أي تظهر عليهم في نهايتهم ؛ لأن الاتصاف بالعظمة والكبرياء والقهر ، لا يكون إلا في الكمال . ومن ثمّ ، هلك الرجل الذي نظر إلى أبي يزيد - وقد كان يرى ربّه كل يوم فلا يضرّه شيء ولم يصبه سوء - لأنه كان يرى ربّه على قدر قابلية نفسه ، فاستطاع الثبوت عنده لذلك ، فظهر عليه أبو يزيد بالعظمة والهيبة - ومن وراء قابليته - فهلك لأن قابليته لا تبلغ قابلية أبي يزيد ، فما استطاع الثبوت عنده . ولذلك قال فيه إنه لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [ النّور : 44 ] وقد شرحنا في هذه النبذة ، جميع ما حواه هذا الباب من كتاب الفتوحات ، فافهم . * * * الباب الثاني هيهات . . أنّى يسع الكون ذلك ! قال الشيخ : ومن ذلك ، أي ومن بعض ما تضمّنه هذا الكتاب من العلوم المذكورة : سرّ الظرف المودع في الحرف . سرّ الظرف ، هو المعاني الكمالية التي أودعها في الحرف . والحرف هو الاسم والصفة الإلهية ؛ وقد شرحنا ذلك في كتابنا « الناموس الأعظم والقاموس الأقدم في معرفة قدر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم » وقلنا فيه إن الحروف على ثمانية أطوار : - حروف حقيقية ؛ وهي أعيان الأسماء والصفات . - وحروف عالية ؛ وهي ذوات معلومات العلم الإلهي ، المعبّر عنها بالأعيان الثابتة في العلم الإلهي . - وحروف روحية ؛ وهي الأرواح النورية التي أظهر اللّه بها هذا الوجود ، كما أظهر الكلمات بالحروف الملفوظة . - وحروف صورية ؛ وهي جوانح هذا العالم الكلّي وجوارح الإنسان ، بالحكم الجزئي . وقد فصّلنا في كتابنا الموسوم « بقطب العجائب وفلك الغرائب » كل ما يختصّ بجوارح الإنسان من الحروف ، وقس على ذلك ما يضاهيه من العالم الكبير .