عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
94
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
ثم تكلّم عل تلك اللطيفة بعبارة أخرى ؛ فقال : وجلت به الأعراض ، وفعل بالإرادات والأغراض ، فانفعلت به الأوعية المراض . أراد أن يبيّن أن تلك اللطيفة هي الروح الإنسانية ، التي هي المدبّرة للجسم ، فهي جوهر يحلّ العرض فيه ، ويفعل في عالمه وفي تدبير جسمه بالإرادة متى اختار ، وتنفعل له الأجسام التي تحت تدبيرها . . وإنما سمّاها الأوعية المراض ، لأن الأجسام كالأرواح ، من حيث أنها عين الحق ؛ فلنقصان تحققها في الظهور بالصفات الإلهية التي تظهر في الأرواح ، سمّيت مراضا . لأنها ليست في صحة اعتدال الأرواح . فلما فرغ الشيخ - رضي اللّه عنه - من العبارة عن أطوار هذه الروح ، تكلّم عنها عند نهايتها في الرتبة الكمالية . لأنه رضي اللّه عنه ، كان هو الإنسان الكامل ، وهذه العلوم التي يوردها في كتبه قاطبة ، مستفادة له ، أخذها من روحه ، حسبما ذكر ذلك على الإطلاق في الباب الأول من الكتاب ؛ فقال يصف حالتها في الكمال : النور الباهر وجوهر الجواهر . يعني : الروح الكامل ، هو النور الباهر . يريد بذلك ، صفات الألوهية ، لأن الذات ظلمة ، والصفات نور . واعلم أنه من لا يكون في نفسه ذاتا ساذجا يقبل معناه الانطباع بكل صورة من صور الوجود ، سواء كانت تجليات إلهية أم عينيات كونية أم حكميات علمية ؛ لا يمكنه تحقيق الاتصاف بالصفات الإلهية ، ولا يستطيع أن يبرز بالفعل ما هو فيه بالقوة ، ولا ينطلق بالشأن الكلّي ، لكونه مقيّدا بالحصر الجزئي . وعن ذلك الانطباع بصورة كل صورة ، معنىّ عبّر عنه بأنه « جوهر الجواهر » ثم شرحه ، وأوضح ما أبهمه وفتحه ؛ فقال : يقبل الإضافات الكونية ، والاستتارات الغيبية ، والأوضاع الحكمية ، والمكانات الحكمية ، رفيع المكانة ، كثير الاستكانة ، علم في رأسه نار ، عبرة لأولي الأبصار . يعني : أن روح الإنسان الكامل ، يقبل جميع أحكام الظهور والبطون . . فكنّى عن أحكام الظهور ، بالإضافات الكونية . وعن أحكام البطون ، بالاستتارات الغيبية - والاستتارات بالتاء المثناة من فوق والغيبية بالغين المعجمة - وهو العالم المقابل لعالم الشهادة ؛ يعني : إنه مع تمكينه بعالم الغيب ، شهاديّ ، ومع تحقّقه بعالم الشهادة ، غيبيّ . فهو في الآن الواحد والساعة الواحدة : ظاهر بوصف الحقّ والخلق ، قابل لحكميهما . وكنّى عن ترتيب وضع الحكمة في الأكوان ، بقوله « والأوضاع الحكمية » بتحريك الكاف . وكنّى عن المكانة الإلهية التي قبلتها هذه الروح الكاملة ، بقوله « والمكانات الحكمية » بإسكان الكاف . فالإنسان « رفيع المكانة » لأنه موصوف الصفات