عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

93

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

والنّفثات الروحية ؛ هي التي من شأن سادات الملائكة على التخصيص ، ونودي لهم أن يلقوا على من أراد اللّه تعالى من عباده ؛ فالنفث هو الإلقاء ، وهو للأنبياء وحي ، وللأولياء إلهام . والقابلات الروعية ؛ يعني بالقابل : الكون ، وبالروع : النفس . يريد بذلك : المظاهر الموجوة من نفس الحق فيه . وكلّ ما يعطيه الكشف ؛ يريد : من العلوم التي هي من وراء أطوار العقل والنقل ، فلا يدرك إلا بالكشف . وما شهد له الحق الصرف ؛ يعني علم بالكتاب والسّنّة ، وحكم العقل السليم . فجمع هذا الباب ، أصناف العلوم المتعلّقة بالحق والخلق ، وما في الوجود سوى ذلك ، فحوى جميع علوم الوجود . ثم نبّه الشيخ - رضي اللّه عنه - على إحاطة هذا الباب بجميع ما في كتاب الفتوحات ، فقال : ضمّنت هذا الباب ما يتعلّق بأبواب هذا الكتاب مما لا بد من التنبيه عليه ، مرتّبا من الباب الأول إلى آخره - يعني آخر الكتاب - فمن ذلك ، أي فمن بعض ما تضمّنه هذا الباب من العلوم المذكورة : سر الإمام المبين ؛ وهو الروح الذي تكلّم عليه في الباب الأول من الفتوحات ، وهو حقيقة الختم ؛ وهي اللطيفة الذاتية المتعيّنة في الصورة الجزئية ، بالكمالات الكلية . فالسّرّ هو اللطيفة المذكورة ؛ والإمام المبين هو الروح الإضافية ، وقد عبّر عنها بقوله : الإمام المبيّن هو الصادق الذي لا يمين . الفرق بين الروح الإضافية والسرّ ، أن السر هو اللطيفة الذاتية بنظره إلى الكمالات الإلهية ، من غير اعتبار المظهر . والروح الإضافية ، هي عين تلك اللطيفة الذاتية ، لكن باعتبار المظهر وإضافته إلى الظاهر فيه . وإنما سمّي السرّ سرّا ، لأنه تحذية بسرّ الربوبية المحضة ، تحقيقا لما تقتضيه الذات الإلهية . وأدب الموطن يقتضي عدم الإفشاء بذلك . والحكم المسماة إنسانا وآدميا وعبدا ، لمقتضياته الذاتية له ، اللازمة لصورته الناقصة المباينة للكمال ، لئلا يلزم التناقض بين حاله ومقامه ، إذ ليس ذلك من الشؤون الكمالية . فكتمه لذلك المعنى من عين أوصاف الرتبة الكمالية فجعل ذلك التحذّي سرا لا جهرا ، لما يقتضيه الكمال من صفة الحق ، وأدب المقام اللازم للخلق . ثم تكلّم على تلك اللطيفة بعبارة أخرى ؛ فقال : مجلى ما أحاط به العلم ، وتشكّل فيه الكيف والكم . هو - أي الروح - محلّ انجلاء العلم الإلهي . يعني أن الروح المقدّسة ، التي هي عين الروح الإضافي والسّرّ الذاتي ؛ هي عين العقل الأول المعبّر عنه بالقلم الأعلى . ولهذا كان مجلى المعلومات الإلهية ، مما هو معنى : كالصفات والأعراض ، أو صورة : كالذوات والجواهر . وعن ذلك عبّر بما « تشكلّ الكيف فيه » .