عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
69
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
نفسه . كذلك في الدار الآخرة ، تظهر هذه المعاني صورا . فهذه صور تجليات المعتقدات ، وهي خلاف صور التجليات الإلهية ، التي هي له ، ولو لم يكن ثم خلاف ، لكنها ليست من هذا القبيل . فأولياء صور التجليات الإلهية ، أعلى من أولياء تجليات صور المعتقدات ، ولو كانت أيضا إلهية . فإن التفاوت عظيم : فأهل صور التجليات الإلهية ، تبرز لهم أولا : الكمالات الإلهية ، في هيئة تقتضي صورة من صور التجليات ، غير مشبهة ، ولا محدودة . فيتبعون ذلك المقتضي ، إلى أن تتجلى تلك الصورة الكمالية لهم ، على حسب ما علموه ، من مقتضى الكمالات الإلهية . فهم سائرون في عالم الجبروت ، بحكم ما تقتضيه الصفات الإلهية . فعقيدة هذه الطبقة ، أعلى من طبقة أهل المعتقدات ، وأنزل من الأفراد ، فهي الطبقة الوسطى . آفة هذا المنظر : هو احتجابهم بالصور عن المعاني التي لا تدخل تحت حكم التصوير ، وكل معنى يدخل في صورة فهي داخلة في حكم التصوير . وكلا الطائفتين محجوبون بالصور عن المعاني الإلهية . وهذا نقص والحق من وراء ذلك . * * * منظر ( المعنى ) صور الموجودات جميعها لها معنى منسوب إلى اللّه تعالى . وهو في نسبته إلى الحق ، منزّه أن يكون حادثا . فالحق تعالى هو القائم بمعنى صور الموجودات ، والمتجلي فيها ، بغير حلول ، ولا مزج ، بل كما هو أهله . اعلم أن هذا المنظر ، وإن سمي بالمعنى ، فليس هو مطلق المعنى . بل هو اسم منظر مخصوص من التجلي ، لواجب الوجود ، الظاهر بمعاني الكمال ، في سائر صور الوجود . يتجلى اللّه تعالى ، في هذا المنظر ، على أوليائه ، فيعرفونه ، بمعرفة دقيقة ، تجل عن العبارة ، إذ هي من التجليات الإلهية ، المعروفة عند أهلها ، بتجليات المعنى ، لا صورة لها . فتأخذهم الحيرة ، في هذا المشهد ، ولهم فيه هيمان مخصوص ، لا يعرفه غيرهم .