عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

48

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

قلت : لعله اسم كالولي ، يقع على اللّه ، ويقع على العبد . ومن ثم قال شيخنا : ( التصوف كله خلق ) . يعني الأخلاق الإلهية . فالتصوف هو التخلق بها . آفة هذا المنظر : هو أن التخلق والاتصاف تعمل ، ولا يكون إلا للغير ، في صفات الغير ، وهذا حجاب . * * * منظر ( التزندق ) يتجلى الحق تعالى على الولي بتجلّ مخصوص ، يظهر أثره عليه ، بحكم الغلبة . فيزندقه كل من يراه ، أو يسمع به ، أو يعلمه في تلك الحالة . ومن ثم قال الجنيد : ( لا يكون الصدّيق صدّيقا ، حتى يشهد له في حقه سبعون صدّيقا ، أنه زنديق ) . فهم يشهدون على ظاهره بما ظهر من حاله . لأن الصدّيق يعطي الظاهر حكم الظاهر ، ويعطي الباطن حكم الباطن ، فلا يلتبسون بالباطن على الظاهر ، ولا بالظاهر على الباطن . فهم يشهدون أنه زنديق ظاهرا ، كما يعلمون أنه صدّيق باطنا ، لتحققهم بذلك الحال في نفوسهم . ومن ثم قيل للفقيه حسن بن أبي السرور : لو كشفنا للخلق عنك لرجموك ! فقال : ولو كشفت لهم عن رحمتك لما عبدوك ! فقيل له : يا حسن ! لا تقول ، ولا نقول ! . يريد بقوله : « لو كشفت لهم عن رحمتك » إظهار سر الربوبية لقول سهل بن عبد اللّه ، إن للربوبية سرا لو ظهر لبطلت الربوبية والمراد بقوله : « لو كشفنا للخلق عنك لرجموك » هو إظهار حقيقة ما هو عليه قلب الولي . فإن الخلق لو عرفوا الولي بذلك لرجموه ، وزندقوه ، وكفروه . ومن ثم قال زين العابدين شعرا : يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا آفة هذا المنظر : أن من ظهر عليه ، بحكم الغلبة أثر ما تجلى به الحق عليه باطنا ، فهو ضعيف ، غير متمكن ، لأن القوي لا يغلبه غالب ، والمتمكن متصرف بالاختيار . فمن ظهر عليه الأثر بحكم الغلبة ، فهو محجوب ، والمحجوب ناقص عن درجة الكمال . * * *