عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

26

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

ومن كان في طرفه الأعلى . فإنه يجد جميع تلك ، الأسماء والصفات ، من حيث أنها أسماؤه وصفاته ، لما تقتضيه حقيقته ، تبارك وتعالى . فهي له ، يتصرف في مقتضياتها ، بلذة علم أحوال تلك المخاطبات والمسامرات ، لذة المالك فيما يملك ، والمتصرف فيما يتصرف . فإن كمل ، وأفناه هذا المشهد ، عن سائر البقايا الذاتية البشرية ، وتطهر عن نقائص وجوده ، فإنه يرتقي من هذا المشهد إلى الفناء الذاتي ، المعبر عنه بالسحق ثم المحق . آفة هذا المنظر : هو احتجابه بمحاضرات الأسماء والصفات ، عن إعطاء حقائقها حقوقها ، كل اسم بما هو عليه ، وكل صفة بما هي عليها ، من معاني الجلال والجمال . * * * منظر ( الفناء الذاتي ) تضمحل في هذا المنظر ذاتك ، وتفنى عن صفاتك ، وعنك ، وعن كل ما ينسب إليك من النعوت ، والأفعال والآثار . فيتلاشى وجودك ، وينعدم تركيبك ، فلا تشاهد لك جسما ، ولا روحا ، ولا قلبا ، ولا سرا ، ولا صورة ، ولا معنى . بل يتجلى الحق عليك في جميع ذاتك ، فتنعدم تحت تجليه من جميع جهاتك . فلا يبقى لك علم ، ولا عين ، ولا عمل ، ولا حق ، ولا حقيقة . قد أخذك ، عنك ، له ، فلا شيء منك بجهة من الجهات باق . وتلى عليك في هذا المنظر : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ [ القصص : 88 ] وهذا هو السحق ، واللّه الموفق . آفة هذا المنظر : بقية شعور يبقى فيك ، تدرك به ، أنك فان . * * * منظر ( الفناء عن الفناء ) في هذا المشهد يتحقق فيك حكم المحق ، والطمس ، والمحو ، والانعدام . فتفنى أولا عن ذاتك ، وجميع ما ينسب إليها . ثم تفنى عن الفناء ، فيأخذك أمر ضروري ، إلى ذات واجب الوجود . فيكون مشهدك في اللّه ، مشهده فيه ، وأنت كما قال تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) [ الإنسان : 1 ] .