عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
27
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
آفة هذا المنظر : هو هذا الحجاب ، الذي سلط عليك ، من شهودك فناك ، وأنت موجودك . فشهود الموجود ، فانيا ، منعدما ، هو حجاب . لكنك ، إذا أخذ اللّه بيدك ، في هذا المشهد ، ورقاك ، من بين يديه ، إلى عنده ، أبقيت ببقائه . * * * منظر ( البقاء ) يبقيك الحق ، تعالى ، في هذا المشهد ، بنوره الذاتي ، فيرد عليك وجودك ، كما كان أو : فتشهد سمعك ، وبصرك ، وعلمك ، وقدرتك ، وقوتك ، وحياتك ، وكلامك ، وفعلك ، وحالك ، كلها منسوبة إليك . وتعلم حقيقة : أن حياة اللّه ، وعلمه ، وسمعه ، وبصره ، وإرادته ، وقدرته ، وكلامه - غير علمك ، وحياتك ، وقدرتك ، وأمثال ذلك . وتتميز صفات اللّه تعالى عن صفاتك . فتلحق الكمالات به ، وتلحق بك ، ما هو منسوب إليك ، من الكمال والنقص . فتشهد الحق حقا ، وتتبعه . وتشهد الباطل باطلا ، وتجتنبه ، يعني : تشهد مخلوقيتك ، ونفسك ، وذاتك ، فتجتنبها . ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « أصدق كلمة قالتها العرب شعرا : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » « 1 » . ثم علمنا في قوله : « اللهم أرنا الحق حقا ، وارزقنا اتباعه . وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه » « 2 » . واتباع الحق ، في هذا المشهد : أن تنسب إليه ما يستحقه من الكمالات ، وتنزهه عما لا يليق بكبريائه تعالى . ومن هذا المشهد : يكون بداية أهل حق اليقين ، في إعطائهم الحق حقه . ومن هو دون هذا المشهد ، فليس هو من أهل حق اليقين ، بل هو من أهل عين اليقين ، أو علم اليقين . وسيأتي بيان هذه الثلاث المراتب ، فما بعد ، إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب أيام الجاهلية ، برقم ( 5784 ) [ ج 13 ص 100 ] ومسلم في صحيحه ، كتاب الشعر ، برقم ( 2256 ) ورواه غيرهما . ونص رواية البخاري : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل ، وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم » . ( 2 ) أورده ابن كثير في تفسيره [ ج 2 ص 252 ] .